الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية: "يا ليت الأزمات تنتهي بانتهاء أدوارنا فيها"

28 أيلول 2019 | 12:01

هل تعرفون ما يحدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية؟



يصاب ما بين ٨٠ إلى ١٠٠ شخص أسبوعيّاً بفيروس يسمّى "الإيبولا" في جمهورية الكونغو الديمقراطية في أفريقيا الوسطى. والإيبولا فيروس يتسبب في وفاة أكثر من ٦٥٪ من المصابين به، هو لا يستهدف عضواً واحداً في الجسم، إنما يُعطّل كافة الأعضاء في مدّة تراوح ما بين خمسة إلى عشرة أيام، إذا لم يتلقّ المريض الرعاية الطبية السريعة.

قد تبدو الصورة قاتمة بعض الشيء إلا أنّ هذا ليس سوى بعض من الواقع الذي يعيشه أهالي شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ الأول من آب ٢٠١٨. وهو الواقع الذي عايشتُه خلال أحدث مهماتي مع منظمة أطباء بلا حدود، حيث عملت كمسؤولة التواصل والإعلام الميداني لبرامج الاستجابة الطارئة التي تنفذها المنظمة في شرق البلاد.

كنت متحمّسة جدّاً للتجربة، ولا أخفي أنني كنت قلقة أيضاً. فبعد تجاربي مع المنظمة في لبنان واليمن والسودان، كانت هذه أولى تجاربي خارج الوطن العربي، في بلد يعاني ظروفاً أمنية صعبة وحروباً داخلية منذ عشرات السنين، أضيف إلى أزماته أزمة تفشي وباء الإيبولا. وأنا ككثيرين، كنت أجهل هذا الوباء، ولا أعرف منه سوى صور زملائي الذين عملوا في مناطق الوباء في ليبيريا وغينيا خلال عامي ٢٠١٤ و٢٠١٥ وهم بستراتهم الصفراء وأقنعتهم يشبهون رواد الفضاء. كان ذلك كافياً لأدرك خطورته... إلّا أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

دمعة المريض قد تشكل خطراً على أحبائه

كل ما هو متعلق بالتعامل مع هذا الوباء استثنائي... الفيروس لا يجتاح الجسم اجتياحاً قاتلاً فحسب، بل يُعكّر علاقات الإنسان الاجتماعية ويُخلّ بعاداته الدينية وتقاليده: تخيّل أنك لن تستطيع أن تلمس يد أمك أو أخيك أو صديقك لتواسيه بمرضه لأنه يعاني من الإيبولا. فهذا الفيروس ينتقل من شخص إلى آخر عبر السوائل الجسمية، إذ إن دمعة المريض قد تشكل خطراً على أحبائه.

تخيّل أنه وإن توفي أحد أعزائك بهذا المرض فلن تستطيع إعداده للدفن ودفنه بحسب معتقداتك، لأن جسده عند الموت يكون في أعلى مستوى من الفيروسات ما يجعله شديد العدوى. الإيبولا فيروس أقل عدوى من الحصبة أو الكوليرا مثلاً -لأنه يتطلب أن يدخل سائل الشّخص المريض إلى جسمك عبر الفم أو الأنف أو العين، ولا ينتقل بالهواء- إلا أن خطورته تكمن بكون كميّة صغيرة جداً منه قد تسبب المرض وتتكاثر في الجسم.

كل هذا جعل من السلطات الصحية في الكونغو، كما في العديد من الدول التي أصابها هذا الوباء سابقاً، تتعامل بحزم مع المصابين به، وتتبع تدابير خاصة لحفظ الصحّة العامة والحد من انتشار الوباء، ومنها تدابير لم يستطع الناس تقبّلها، وأثّرت على تعاملهم مع برامج الاستجابة والعاملين عليها. فمنذ عام لم يحدث أي تقدّم في القضاء على هذا الوباء في جمهورية الكونغو الديمقراطية. فقد توفي أكثر من 2050 شخصاً حتى اليوم، وما زال الوباء ينتشر في أنحاء جديدة من شرق البلاد.

لا يؤمنون بأنَّ الإيبولا موجود!

تخّيل أنك مريض، تدخل مركزاً صحياً مسيّجاً وفيه حواجز تفصل بين أقسامه من الخطر إلى الأشد خطراً. تخيّل أن طبيبك تخلّى عن ثوبه الأبيض وارتدى البزّة الصفراء التي لا يمكنك من خلالها التعرف إلى وجهه.

تخيّل أنك عامل إنساني في مهمّة ميدانيّة، وفي كل لحظة يجب أن تفكر أين تضع يديك، وإذا ما لمستَ شيئاً يجب أن تبقى متيقظاً كي لا ترفع يديك إلى عينيك أو تضعها في فمك قبل أن تغسلها... تخيّل أنك مكاني، تتعامل كل يوم مع أخبار الإصابات الجديدة وإحصاءات الموتى، وشهادات الفريق الطبي، والقليل من أخبار من شفيوا وخرجوا ناجين من مراكز العلاج.

إن أصعب ما في مهمّتي هذه، لم تكن ظروفها الطارئة، أي كثرة العمل، ونمطه السريع وكثرة التطورات من حولي والطلبات الإعلامية، إنما أن أسمع في جلسة محادثة مع فئات من المجتمع المحلي أنهم لا يثقون بمن يقدمون لهم العلاج ولا يؤمنون بأن الإيبولا موجود، ويخافون من ارتياد المراكز الصحية، ولا يريدون أن يُعزل مرضاهم فيها. تخيّل أن الرعاية الصحيّة تشكل صدمة نفسية للناس! وكان عليّ أن أدعم الفرق الميدانيّة لإعداد رسائل نتوجّه بها إلى هذه الفئات لتوضيح الصّورة، وتصحيح المفاهيم، والحضّ على طلب الرعاية الصحيّة، وإعادة بناء الثقة. ومن أسباب تشكيك المجتمعات المحليّة بالاستجابة لوباء الإيبولا، بالإضافة إلى الوضع الأمني والسياسي المتأزم في البلاد، هو حجم الموارد الماليّة والبشريّة التي خصّصت للاستجابة لهذا الوباء والذي فاق كل ما يمكن تخصيصه للاستجابة للعديد من الحاجات الطبيّة الأساسيّة التي تعني الناس مباشرة منذ سنوات. هم لم يشهدوا مثل هذه الجهود تُبذل للقضاء على الحصبة أو وقف جولات العنف الدائرة منذ سنوات. وهم لم يعتادوا مثل هذه التدابير للتعامل مع المرضى المحتملين أو المصابين فعلاً.

ألمٌ في معدتي جعلني أخاف من احتمال إصابتي بالإيبولا

في لحظة من اللحظات، عندما شعرت أنني أعاني من مشكلة في معدتي بسبب طعام تناولته وأن حرارتي قد تكون مرتفعة، فهمت شعورهم. لبضع دقائق، فكرت بأنني لم أكن أرغب بإخبار من حولي بأني مريضة، لأنني لم أكن أود أن أعامل كمصابة محتملة بفيروس الإيبولا. فمجرد الاحتمال يجعلني أنعزل في مركز صحي وأخضع لفحصين خلال ٤٨ ساعة للتأكد من أنني لا أعاني من الإيبولا. وهذا حال ٩٠٪ ممن تستقبلهم المراكز الخاصة بالإيبولا التي افتتحت خصيصاً للتعامل مع المرضى المحتملين والمؤكدة إصابتهم. ١٠ في المئة فقط ممن يتم تحويلهم إلى هذه المراكز يكونون مصابين، بينما الأغلبية السّاحقة تعاني من أمراض أخرى تشابهت أعراضها مع أعراض الإيبولا في زمن الإيبولا. في النهاية، أخبرت الفريق الطبّي، إذ إنه لا يمكن الاستهانة بمثل هذه الأمور، واتخذت الإجراءات الاحترازية التي أوصوني بها، والحمد لله لم تستمر العوارض التي عانيت منها لأكثر من بضع ساعات شعرت بعدها أني نجوت.

لم أخجل من نفسي، فالخوف شعور إنساني.

ولا يخاف الناس في جمهورية الكونغو الديمقراطية من مرض الإيبولا فحسب، إنما من كل ما يحيط به من تدابير تجعلهم أسرى مراكز صحيّة لم يعتادوا عليها، بعيدين ومبعدين عن كل ما هو مألوف. هم يخافون من المجهول، من مرض يجهلونه، ومستقبل ضبابيّ. ورغم توفّر أدوات جديدة لمحاربة الوباء، كالعلاجات واللقاحات التجريبيّة والتي ساهمت بشفاء قرابة 900 شخص، إلا أن الفكرة الطاغية تبقى أنّه مرض قاتل. كل هذا لأنهم لم يشعروا حتى اليوم أنهم شركاء في هذه الإستجابة وأنهم جزء منها.

مهمّة متعبة، أن تشعر بنفسك -وإن كنت مجرد مسؤول تواصل وإعلام- مسؤولاَ عن القضاء على الوباء... كل فرد من طاقمنا الطبي والإداري واللوجستي يشعر بهذه المسؤولية، رغم أنها ليست مسؤولية منظمة أطباء بلا حدود وحدها، فوزارة الصحة تدير الإستجابة للوباء بالتعاون مع منظمة الصحّة العالميّة ومنظمات محليّة وعالميّة أخرى. وتعتمد منظمة أطباء بلا حدود على مواردها الماليّة المستقلّة لإدارة برامجها باستقلالية وشفافيّة تامّة.

لكن ما يقوم به طاقم عملنا في جمهورية الكونغو الديمقراطية عمل جبّار، وأجمل ما فيه أنّه يخرج عن الإطار الضيق لتوفير الرعاية للمرضى المصابين بالإيبولا في مراكز متخصصة وحسب، بل يعتمد أسلوب استجابة مستحدثة يتوق نحو تطلعات المجتمع المحلي وتراعي حاجاتهم الأساسية وهواجسهم.

دور أطباء بلا حدود في مكافحة الإيبولا

تقدّم منظمة أطباء بلا حدود اليوم في جمهورية الكونغو الديمقراطية برامج قائمة على دعم القطاع الصحّي الوطني من خلال توفير رعاية صحيّة مجانيّة لسكان المناطق التي تفشى فيها الوباء، وهذا لأن وباء الإيبولا ليس المرض الوحيد الذي يعاني منه الناس في هذه المناطق، فبين الحصبة وسوء التغذية والتهابات الجهاز التنفسي، والإصابات الناجمة عن العنف، يجهد المريض للحصول على الرعاية الصحيّة، وكثيراً ما يخسر حياته قبل الحصول عليها. وأيضاً، لأن إعادة الثقة بالمراكز الصحية المحلية تشجع المرضى على اللجوء إليها في حال الإصابة بالمرض، ما يسهّل عمليّة الكشف المبكر عن المصابين بالإيبولا، وتقديم الرعاية السريعة لهم، ما يزيد من احتمال نجاتهم. ومن هنا تذهب منظّمة أطباء بلا حدود بخدماتها المتعلّقة بالاستجابة للإيبولا إلى أقرب نقطة من المريض، إلى المركز الصحي المحلّي الذي اعتاد زيارته، فتدعم الفريق الطبّي في هذه المراكز وتطوّر أقسامه، وتنشئ وحدات عزل خاصة يتم استخدامها في حال الاشتباه بمصاب بفيروس الإيبولا. هذه الوحدات التي تضمن سلامة المرضى والعاملين في المراكز الصحية، وتجنبهم العدوى، تسمح أيضاً ببقاء المريض قريباً من عائلته إلى حين التثبُّت من إصابته بالفيروس من عدمها... فإذا تأكدت الإصابة يتم تحويله إلى مركز مختصّ. كما تقدّم المنظّمة الرعاية للمرضى المصابين بفيروس الإيبولا في عدّة مراكز في المحافظات المتأثّرة.

ورغم أنني فخورة بما يقوم به زملائي، إلا أنني وبمغادرتي جمهورية الكونغو الديمقراطية اليوم، أشعر وكأنني جندي غادر المعركة قبل انتهائها... أنا التي كنت أحذّر الناطقين باسم المنظمة من استخدام مفردات من الحقل المعجمي للحرب عند الحديث عن إيبولا في المقابلات الإعلاميّة، أشعر بنفسي منسحبة من معركة لم تنتهِ... ويا ليت الأزمات تنتهي بانتهاء أدوارنا فيها، إلا أنها تستمر وتستنزف جهود كثيرين. ليس هذا المهم، إنما الأرواح التي تزهق والآمال بالشفاء التي تخيب.

من بيروت سأنتظر خبر الإعلان عن القضاء على وباء الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حينها سأبتسم وأرفع القبعة لكل من ساهم في هذا الانجاز، وأتمنى لو أنني من سيدوِّنُ وينشرُ هذا الخبر باسم منظمة أطباء بلا حدود.

-إنتهى-

لمزيد من المعلومات حول تفشّي وباء الإيبولا في جمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة، وبرامج أطباء بلا حدود للإستجابة، الرجاء زيارة الرابط التالي: http://bit.ly/33VUDbd

*جنان سعد: مسؤولة التواصل والإعلام الميداني في منظّمة أطباء بلا حدود في لبنان، عائدة من مهمّة دوليّة مع المنظّمة في جمهوريّة الكونغو الديمقراطية.

ملاحظة: البيانات الواردة في المقال يعود تاريخها إلى 9 أيلول 2019، ومصدرها منظّمة الصحّة العالميّة.

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard