أوروبا تتشدّد مع إيران... هل تغادر الاتّفاق النوويّ بعد أسابيع؟

27 أيلول 2019 | 20:37

المصدر: "النهار"

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والإيراني حسن روحاني في نيويورك "أ ب".

"ماكرون، باختصار، فعل ما يساوي أو ما يزيد عمّا فعلته أي دولة أوروبية أخرى لصالح النظام الإيرانيّ – أكثر من ألمانيا، وحتى أكثر من الاتحاد الأوروبي نفسه. كان بإمكانه أن يختار التصرّف كحليف موثوق به للولايات المتحدة، لكنّ الخيار الذي أقدم عليه كان مختلفاً". موقف البروفسور في جامعة باريس غي ميليار الذي شرحه في مقال نشره "معهد غيتستون" في 19 أيلول الماضي يبرز وجهة نظر كلاسيكيّة لدى مناهضي الاتّفاق النوويّ أكانوا في أوروبا أم في الولايات المتّحدة خصوصاً. لكن يظهر أنّ الأوروبيين، ومن بينهم الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، يفكّرون في سلوك مسار مختلف.

بات الموقف الأوروبيّ من إيران أقرب إلى مراجعة الحسابات. وليس معروفاً ما إذا كانت هذه المراجعة اقتراباً من الموقف الأميركيّ، علماً أنّ آخر التقارير لا تستبعد ذلك. يريد الأوروبيون وفي طليعتهم ماكرون إنهاء التوتّر في الخليج وعقد قمة بين الرئيسين الأميركيّ دونالد ترامب والإيرانيّ حسن روحاني. لكنّ بيان الإدانة الذي صدر عن الثلاثيّ الأوروبّيّ (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) تجاه تحميل إيران مسؤوليّة الهجمات على "أرامكو" جذب العديد من التساؤلات عن أبعاده وعن المرحلة التي ستليه.

نقطة التقاء أساسيّة

صحيفة "وول ستريت جورنال" كتبت منذ ثلاثة أيّام أنّ الرؤية الأوروبّيّة تقترب من رؤية ترامب الذي وصفته بأنّه كان محقّاً في مقاربته للملفّ الإيرانيّ، مستندة إلى بيان الثلاثيّ الذي صدر يوم الاثنين. ورأت الصحيفة أنّ البيان الذي دعا طهران كي تتفاوض حول برنامج نوويّ طويل المدى، "وحول مسائل مرتبطة بالأمن الإقليميّ، ومن ضمنها برنامج صواريخها" يعبّر عن نقطة التقاء مع أهداف السياسة الأميركيّة في تقييد سلوك إيران الإقليميّ ومعالجة برنامجها البالستيّ. بالفعل، فتح موقف الثلاثيّ الأوروبّيّ الباب واسعاً أمام قبول بروكسل بإعادة التفاوض حول ما أغفله اتّفاق 2015، وفي هذه الدعوة وحدها ما يشير إلى تغيّر في السياسة الأوروبية.


رسالة فرنسيّة إلى روحاني؟

حين كانت تستضيف قمّة مجموعة دول السبع، دعت فرنسا وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمد جواد ظريف إلى القمّة ليشارك في لقاء وزاريّ. برز خلاف في التقارير حول ما إذا كان ماكرون قد أطلع ترامب على نيّته في توجيه الدعوة قبل افتتاح القمّة أو في اللحظات الأخيرة. لكنّ ترامب لم يبدِ انزعاجاً من هذه الدعوة. فشلت بياريتز في تقريب وجهات النظر وفي عقد لقاء بين روحاني وترامب على هامش أعمال الجلسة العامّة للأمم المتّحدة. حافظت طهران على موقفها من عدم إجراء حوار مع واشنطن قبل رفع العقوبات، فيما صعّد ترامب من لهجته تجاه إيران معتبراً إيّاها "متعطّشة للدماء" ودعا المجتمع الدوليّ للانضمام إلى حملة الضغط عليها. من جهته، وحين كان واقفاً إلى جانب روحاني في نيويورك، قال ماكرون إنّ عدم لقاء الرئيس الإيرانيّ مع نظيره الأميركيّ هي "فرصة ضائعة". ويمكن أن تكون هذه العبارة رسالة إلى روحاني، وفقاً للتطوّرات اللاحقة.

خرج متجهّم الوجه

بعد قمّة بياريتز، دعا ماكرون وفداً إيرانيّاً بقيادة نائب وزير الخارجيّة الإيرانيّ عباس عراقجي لتحديد "موقف مشترك" بين إيران وفرنسا. وبعد رحيل الوفد، اقترحت فرنسا في 3 أيلول تقديم خطّ ائتمانيّ بقيمة 15 مليار دولار إلى إيران، غير أنّ الممثّل الأميركي الخاص للشؤون الإيرانيّة براين هوك رفض المقترح الفرنسيّ في 4 أيلول. وفي اليوم نفسه، أعلن روحاني أنّ إيران ستسرّع تخصيب اليورانيوم من دون أن يذكر الجهود التي بذلها الفرنسيّون. هذه التطوّرات وغيرها دفعت ميليار إلى انتقد السياسة الفرنسيّة لوقوفها إلى جانب إيران. لكنّ تسلسل الأحداث في نيويورك قد يحفّز سلسلة ردود أوروبية جديدة.

التقى ماكرون بترامب الاثنين صباحاً وتبادلا الكلام حول احتمال الاجتماع بروحاني. بعد الظهر، أصدر الثلاثيّ الأوروبّيّ بيانه. بالرغم من تحميل طهران مسؤوليّة الهجوم أكّد أهمّيّة استمرار المفاوضات والتواصل مع كل الأطراف. والاثنين مساء، اجتمع ماكرون بروحاني في فندق "ميلينيوم" حيث أقام الأخير تحت ظروف تنقّل مقيّدة. وبعد ساعة ونصف، خرج ماكرون "متجهّم الوجه" وفقاً لصحيفة "لو بوان" الفرنسيّة. يوم الثلاثاء، وصف ماكرون اللقاء بأنّه "مباشر ومحدّد للغاية" وبأنّ "سياق الأحداث متوتّر بعد الضربات" و "بحثنا عن طرق ومقترحات للحلول". لكنّ ترامب قال لاحقاً إنّ ماكرون "صديق" إنّما لا يحتاج لوساطة أحد.


ماذا ورد في "التحذير" الأوروبي؟

في سياق الموقف الأوروبيّ، كان لافتاً ما نقله مراسل صحيفة "الغارديان" البريطانيّة في نيوروك باتريك وينتور اليوم عن أنّ الاتّحاد الأوروبي "حذّر" إيران على انفراد بأنّه سيغادر الاتفاق النووي في تشرين الثاني إذا واصلت طهران خرقها له. وذكر وينتور أنّ التحذير الموّجه إلى إيران وافق عليه مسبقاً الثلاثي الأوروبي في اجتماع بينهم الأربعاء قائلين إنّ الاتحاد سيحيل مسألة عدم امتثال طهران إلى آلية الخلاف التي تنصّ على تقديم أي طرف موقّع إثباتاً بوجود خرق للاتّفاق خلال 30 يوماً قبل إمكانيّة إعادة العقوبات الأمميّة على إيران. وسينفّذ الاتّحاد تهديده في حال نفّذت الأخيرة وعيدها بأنّها ستخرق الاتّفاق بخطوة رابعة في 7 تشرين الثاني. ونقل وينتور عن مصدر قوله: "الصعوبة هي أنّ إيران تقول إنّ خطواتها يمكن الرجوع عنها، لكن إذا علموا كيفيّة صنع قنبلة نوويّة، فهذا لا يمكن الرجوع عنه".

أسئلة كثيرة ستُطرح تعليقاً على ما نقلته الصحيفة البريطانيّة. هل ساهم فشل ماكرون في جمع الرئيسين المتخاصمين وربّما فشل لقائه مع روحاني بتشديد الموقف الأوروبي؟ وهل تستعدّ أوروبا فعلاً لمغادرة الاتّفاق بعد أسابيع، علماً أنّ خطوة كهذه قد تشكّل إحراجاً لموقف الاتّحاد الذي وقف في وجه إدارة ترامب طوال سنة ونصف على الأقلّ، قبل "الاقتناع" بوجهة نظره؟ وإلى أيّ حدّ سيقبل بالتخلّي عن دور الوساطة الذي أمكن أن يؤمّن له دوراً على الصعيد الدوليّ؟ من المبكر الإجابة على هذه الأسئلة، قبل معرفة ماذا ستفعل إيران بالكرة التي يبدو أنّها أصبحت في ملعبها.

علاء أبو فخر: الحكاية الجارحة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard