إضاءة على ربيع طوكيو 1868

26 أيلول 2019 | 14:32

الحياة اليومية في طوكيو (أ ف ب).

إذا كان الظلم سبباً للحركات الشعبية، فإن التجارة والتعليم سببٌ لقيم الثورات الناجحة في العالم. فكانت التجارة عبر العصور وما زالت وسيلة لتفاعل الحضارات، كما كان العلم وسيلة لتقدمها.

لكن اليابان فرضت العزلة منذ عام (1637–1853)، وأغلقت أبوابها أمام التجارة الغربية التي كان لديها محطات في الفلبين والسواحل الصينية. وأبقت على منفذ خلفي لتبادل السلع مع الهولنديين والصينيين على جزيرة ديشيما، لحماية أراضيها من الاستعمار الغربي، وإبعاد خطر التوسع الغربي في البحار الشرقية.

عانى النظام الإقطاعي في #اليابان كما غيره في بلدان أخرى من أزمة اقتصادية، سببته الكوارث الطبيعية وتراجع الإنتاج، وعجز الفلاحون عن تلبية الحاجات المتزايدة للطبقة الحاكمة. ومن جهة أخرى، نمت طبقة الساموراي واتخذت من المدن أماكن إقامة لهم، وازداد الطلب على الحاجات. ونشطت التجارة البحرية بين المقاطعات، فشجعوا الفلاحين على زراعات جديدة، وإنتاج مصنوعات لتسويقها في المقاطعات الأخرى. أدى ذلك إلى فقدان التوازن بين الدخل والإنفاق لدى أبناء الطبقة الحاكمة التي فرضت على الفلاحين مزيداً من الضرائب؛ في حين ارتفع مستوى معيشة الساموراي؛ واحتكر الدايميو التجارة أو باعوا حقوقها لكبار التجار، فارتفع قدر التاجر في المجتمع الياباني الذي أخذ يحقق أرباحاً طائلة، كما نمت التجارة بين القرى والمدن، ما دفع بعض الفلاحين إلى ممارسة الأعمال التجارية، وعملوا بصناعة الغزل والنسيج والفخار، وغيرها... فحققوا ثروات لا بأس بها.

هكذا، استطاعت الصناعة والتجارة زعزعة سلطة الباكفو الإقطاعية، وإحداث تغيير في البنى الإجتماعية، وانتشرت ثورات الفلاحين بين النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر. فضعفت قواها مع ازدياد التحديات الداخلية والخارجية.

ترافق ذلك مع ازدياد طلب الدول الغربية من السلطات اليابانية فتح أسواقها أمام التجارة الدولية، وزاد تعنت الباكفو الذين أصدروا أمراً إلى الجميع بمنع السفن الأجنبية من الاقتراب من الشواطئ اليابانية؛ لكن مع وصول أنباء عن هزيمة الصين في حرب الأفيون، أدركت أن الضغط الغربي أقوى من أن يقاوم، فسمحت في عام (1842) بتزويد السفن بالطعام والماء والوقود؛ أمّا الكمودور الأميركي Mathew Perry فلم يكتفِ بالطرق السلمية بل اقتحم خليج أدو Edo بأربع سفن (8 تموز 1858)، غير آبه بالتحذيرات اليابانية، ساعيًا للحصول على جواب من السلطات اليابانية حول دخول موانئهم، والمعاملة الإنسانية الكريمة للبحارة.

انقسمت سلطة الباكفو على نفسها أمام هذا المأزق. بينما حصل معارضو الباكفو والطامحون إلى السلطة على الفرصة الذهبية للتخلص من سلطتهم باللجوء إلى الإمبراطور، فرفعوا شعار "توقير الإمبراطور Sonnō" مع المطالبين بشعار "اطردوا الأجانب Jŏi" . حاول اليابانيون المماطلة في الرد ريثما يتوصلون إلى إجابة ترضي الجميع، حيث رأى الدايميو أنه من الحكمة الانفتاح على العالم الخارجي. أمام هذه التحديات، وفي (31 آذار 1854) وقعوا اتفاقية تنص على معاملة الولايات المتحدة معاملة الدولة الأولى بالرعاية، ولم تتضمن إقامة علاقات تجارية بين البلدين . وتوالت الاتفاقيات مع الدول الغربية. لكن الولايات المتحدة أرسلت Townsend Harris (في 1856) لتوقيع اتفاقية تجارية. في حين كان الإمبراطور كوماي Kômei (1831-1866) محاطًا بحاشية تتسم بالجهل لأبعاد المواقف الدولية، فأيد معارضة سياسة الانفتاح. في وقت كانت الأساطيل الأوروبية تستعد للتوجه نحو اليابان بعد أن حققت انتصاراتها على الصين. فسار ممثل الشوجون إلى توقيع الإتفاقية مع Harris في (29 تموز 1858). وفتحت ثلاثة موانئ بموجب المعاهدة أمام المواطنين الأميركيين، فتجلى أثر الإنفتاح على الغرب في توجيه الأحداث السياسية ضد الباكفو، وعلى الحياة الاقتصادية والثقافية، وأصبحت مدينة يوكوهاما مركزاً لنشر الثقافة الغربية، وتبادل المعرفة.

تطورت الأمور بين المعارضين والمؤيدين لسياسة الانفتاح على الغرب. وعلى الطريقة اليابانية، السرعة في اتخاذ الإجراءات اللازمة تفاديًا للتطورات السلبية، جهزت مقاطعة Satsuma و Chôshû جيشًا حديثًا من المشاة، درب وفق النظم الغربية، وجند الفلاحون في القوات الجديدة، وكان لهذا الأمر أكثر من مغزى. فكادت البلاد أن تقع في حرب أهلية، وصراع مع الغرب.

وارتبطت الأزمة الداخلية التي مر بها النظام الإقطاعي بالضغوط الغربية على اليابان، وبات التغيير أمراً ضرورياً وملحاً. فشكلت مع بعضها البعض قوة دفع سهلت هبوب رياح التغيير التي دفعت سفينة المجتمع الياباني في أواخر عصر توكوغاوا إلى شواطئ العصر الحديث: عصر مايجي أي "الحكم المستنير". فقدم الشوجون الحكيم طلبًا إلى الإمبراطور الجديد لإعادة السلطة الإدارية الكاملة للإمبراطور كحل للأزمة التي تواجه البلاد (تشرين الثاني 1867)، يعاونه مجلسان، أحدهما يتألف من نبلاء البلاط، والآخر من مجموعة منتقاة من الساموراي، ليصدر الإمبراطور في أواخر (كانون الأول عام 1868) مرسومًا بإلغاء النظام الإقطاعي وإلغاء الشوغون. وفي (14 آذار 1868) أعلن القسم الإمبراطوري بمواده الخمس، الذي أقر أن كل القرارات والتدابير يجب أن تتخذ بعد نقاش جماعي للدفاع عن مصلحة الأمة؛ لينصرف اليابانيون في تطبيق شعارهم "دولة غنية، جيش قوي".

وجاء انتقال الإمبراطور متسوهيتو Mitsuhito إبن السادسة عشرة من عمره، من مدينة كيوتو إلى إيدو Edo، عُرفت بطوكيو العاصمة الشرقية، رمزًا لبدء مرحلة جديدة من تاريخ البلاد في ربيع عام (1869)، وتمجيد الأمة، وصيانة مجدها أمام الدول الغربية. وهو ليس مجرد تغيير في السلطة أو انتقالها من شخص إلى آخر، لكنه تغيير لمجتمع بأسره، ولأداة الحكم. وقد رأينا إرهاصات هذا التغير منذ القرن الثامن عشر، وقد تجلت بأفكاره وعاداته وقيمه، ففرض على المجتمع الياباني التطور، وعلى السلطة الحاكمة بناء مؤسسات الدولة بتغيير النظام الإقتصادي. فكان الإمبراطور بمثابة القائد لحركة الإصلاح والتحديث التي قامت بها مجموعة من الشوجون المستنيرين الذين آثروا التنازل عن مكتسباتهم الشخصية مقابل حماية بلادهم من التمزق الداخلي، ومواجهة الغرب المتطور. فوضعوا في سلم أولوياتهم ايجاد قاعدة اقتصادية صلبة، لحلّ المشكلات المالية ومقاومة الزحف الغربي. فذللوا العقبات الداخلية بإشراك الأمراء والنبلاء والدايميو في الحكم اسميًا، الذين تنازلوا بدورهم عن اقطاعاتهم وحوّلت إلى إدارات محلية.

سمح ذلك بتغيير الواقع الإقتصادي وتحقيق الانفتاح الآمن والسليم، فقام الشوجون بإقراض النظام الجديد بسخاء، وإنقاذ البلاد من الإفلاس، وبرزت البيوت المالية التي حافظت على مركزها في ظل قيام الدولة، كما منعوا ارتهان بلادهم لأي دولة أخرى، وأعادوا تنظيم الموارد المالية، للوقوف وقفة الند للغرب. فألقت هذه الإصلاحات بالأعباء على الخزينة اليابانية عام (1877)، فاستُبدلت معاشات الموظفين بسندات بفائدة سنوية، وخُفضت بعض المعاشات، ما سمح بانجاز المساواة بين أبناء المجتمع. وترافق ذلك مع الإصلاح الاجتماعي لعدة مراحل، بهدف إلغاء الفروقات الاجتماعية، وانتزعت من الساموراي بعض الإمتيازات، وصار الجميع متساوين أمام القانون. واستكمل الإصلاح الاجتماعي بالقضائي، والتعليمي، ليشمل كافة المجالات، وصولاً إلى وضع الدستور عام (1889).

هكذا، قامت الثورة الإصلاحية الإنفتاحية الناجحة للإمبراطور مايجي على التماسك الاجتماعي الموروث من الأجيال السابقة، والانفتاح على العلوم الغربية قبل الانفتاح على مجتمعاتهم واستخدام منتوجاتهم لأن الإصلاح واقع عقلاني لطبقة حاكمة خبيرة وطنية حكيمة، تتميز بسرعة التأقلم والتكيّف مع المستجدات، وتغليب لغة العقل والمنطق على لغة التحدي، والمواقف الحكيمة على الارتجال، وتستطيع عبور الأزمات بأقل تكلفة.

"منبتٌ للنساء والرجال" بصوت كارول سماحة: تحية "النهار" للمرأة الرائعة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard