"إذا ما نفع ما بضرّ" هذه العبارة "رح تقتلنا"... صرخة طبية حول مقاومة الجراثيم للمضادات الحيوية

16 أيلول 2019 | 13:32

المصدر: "النهار"

مخاطر الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية.

دق الاختصاصيون في الأمراض المعدية والجرثومية ناقوس الخطر حول المقاومة القوية للمضادات الحيوية وسوء استخدامها الذي تحوّل إلى تهديد صحي سيتسبب في وفاة 10 ملايين شخص سنوياً بحلول العام 2050،  بحسب منظمة الصحة العالمية، في حال لم تتخذ أي إجراءات للتصدي لها. هذا الواقع دفع المعنيين إلى رفع الصوت لنشر الوعي حول صحة استخدام المضاد الحيوي المناسب للمريض المناسب، في الوقت المناسب وبالجرعة والطريقة المناسبة، لتقليص الضرر بأقل نسبة ممكنة على المريض.

ماذا تعني مقاومة المضادات الحيوية؟ هل سينجح الاختصاصيون في ايجاد أدوية أخرى بعد هذه المقاومة القوية؟ كيف يمكن التوعية وتوجيه المعنيين في القطاع الصحي لتثقيف المرضى وحثهم على استشارة الطبيب قبل استخدام أي مضاد حيوي؟ أسئلة كثيرة طُرحت في حلقة النقاش التي نظمتها الجمعية اللبنانية للأمراض المعدية والجرثومية بالتعاون مع شركة MSD للحديث أكثر عن هذه المشكلة الصحية والتحكم بها وفق معايير وخطة وطنية.

يبدو واضحاً أن ما فرضته المقاومة القوية للمضادات الحيوية، دفعت المختصين في الرعاية الصحية إلى رفع الصوت للتوعية حول مخاطر ما نواجهه اليوم، وهذا ما انعكس جلياً في مساعٍ محلية من خلال إطلاق مبادرة تُعرف باسم "Antimicrobial stewardship" التي ستطبق على مستوى المستشفيات، كما شرح الاختصاصيون خلال حلقة النقاش والتي"ستُشكّل الخطوة الأولى في فصل مهم جداً تريد العمل عليه مع جميع أعضاء المنظمة لإطلاق برنامج الاستخدام الحكيم لمضادات الميكروبات في جميع مستشفيات لبنان".

وفي هذا الصدد، أكدت رئيسة الجمعية اللبنانية للأمراض المعدية والجرثومية ( LSIDCM) ورئيسة قسم الأمراض المعدية ومكافحة العدوى في مستشفى سيدة المعونات - جبيل الدكتورة مادونا مطر في حديثها أن "المشكلة الشائعة تكمن في وصف المضاد الحيوي بطريقة عشوائية، هناك العديد من حالات الالتهابات والحرارة يكون سببها فيروس ولا تحتاج إلى مضاد حيوي لمعالجتها. وهذا الواقع أوصلنا إلى وجود جراثيم مقاومة للمضادات الحيوية والتي تحتاج إلى علاج بالمضاد الحيوي للقضاء عليها. أحياناً، نجد المريض يستعين بالصيدلي لتناول المضاد الحيوي دون استشارة الطبيب، إلا أن المشكلة الأكبر تبرز في عدم معرفته أن الإفراط في استخدام المضاد الحيوي قد يؤدي إلى مقاومة الجراثيم لها وعدم تجاوبها مع مجموعة كبيرة من المضادات الحيوية. نحن نستنزف العلاجات الفعالة على وعكة صحية قد لا تحتاج حتى الى مضاد حيوي".

هل يختلف المضاد الحيوي بالأقراص عن المصل؟ توضح مطر أن "المضاد الحيوي يبقى مضاداً حيوياً سواء أكان أقراصاً أو بالمصل، لذلك عند استخدام هذا المضاد الحيوي بطريقة خاطئة ودون الحاجة إليه، يؤدي إلى زيادة نسبة مقاومة البكتيريا لمضادات الميكروبات. من هنا علينا التشديد على أهمية الاستخدام الصحيح من خلال الالتزام بالكمية المحددة والمناسبة لحالته، ونوع المضاد الحيوي وفق نوع الجرثومة والمدة الزمنية للعلاج. ولتحقيق هذا الهدف، علينا ادراج هذه الثقافة في المدارس وتوعية الطلاب حول المضادات الحيوية والالتهاب وكيفية الاستخدام الصحيح للمضادات الحيوية".

من جهته، أشار الرئيس السابق للجمعية اللبنانية للأمراض المعدية والجرثومية والاختصاصي في الأمراض المعدية في مسشتفى شرق الاوسط بصاليم الدكتور زاهي حلو، إلى أن "هذه المشكلة ليست وطنية أو محلية، وإنما مشكلة عالمية دفعت بمنظمة الصحة العالمية إلى رفع الصوت عالياً ودق ناقوس الخطر حول زيادة نسبة مقاومة المضادات الحيوية والخوف من الوصول إلى مرحلة لم يعد أي مضاد حيوي قادراً على معالجة البكتيريا أو الجرثومة بسبب الإفراط العشوائي للمضادات الحيوية. هذا الأمر خطير جداً، وهو يتسبب بوفاة 700 ألف شخص حول العالم، ويُرجح ازدياد هذه النسبة التي ستكون مسؤولة عن وفاة 10 ملايين شخص في العام 2050، وفق ما ذكرت وزارة الصحة العالمية. ما دفع بشرطات الأدوية إلى البحث عن أدوية جديدة لمحاربة مقاومة الجراثيم بعد استنزاف الأدوية الحالية."

ويضيف أن "مهمتنا اليوم كأطباء نشر الوعي والمعلومات الكافية للمرضى حول المضاد الحيوي وكيفية استخدامه بطريقة صحيحة، ولكن يبقى القرار الأخير بيد المريض الذي يصرّ في حالات كثيرة على تغيير الطبيب والاستعانة بآخر للحصول على مضاد حيوي ومعالجة مشكلته. نحن نخوض حرباً بين البكتيريا والمضادات الحيوية، وعلينا أن نعرف أيضاً أن البكتيريا ذكية وتُشكّل دفاعاً قوياً في وجه العلاج، لذلك نصر دائماً على أن يكون المضاد الحيوي مناسباً لهذه الجرثومة أو البكتيريا حتى لا نخسر الحرب معها ونقف عاجزين عن ايجاد أدوية أخرى نتيجة مقاومتها للمضادات".

هل تختلف مشكلة مقاومة مضادات الميكروبات في لبنان عن باقي الدول؟ توضح الاختصاصية في الأمراض الجرثومية في مستشفى اوتيل ديو البروفيسورة ريما مغنية أن "هذه المشكلة عالمية ولبنان ليس استثناء، والدراسات التي أعدت محلياً أظهرت وجود مشكلة في مقاومة المضادات الحيوية بنسبة كبيرة. وفي حال أردنا مقارنتها بالخارج، تتقارب النسبة مع دول أوروبا الشرقية، وعربياً دول محيط البحر الأبيض المتوسط. على سبيل المثال، الالتهاب الرئوي أو التهاب المسالك البولية الذي كان يعالج بأي مضاد حيوي موجود في المنزل، أصبح يصعب معالجته اليوم نتيجة المقاومة. أما بالنسبة إلى الالتهابات الناجمة عن المستشفيات والجراحات فتكون المقاومة مضاعفة وبمستويات مرتفعة أكثر، وهذه المشكلة لا يمكن التغاضي عنها في لبنان".

برأي مغنية أن "تطبيق القانون معّقد لأن الصيدليات والشرطات الضامنة والمستوصفات التي توزع الادوية مجاناً تندرج ضمنه، مع النظام الصحي العام وصعوبة الوضع الاقتصادي التي تفرض على بعض الناس عدم استشارة الطبيب والاستعانة بالصيدلي لمعالجة مشكلته. لذلك نعمل جاهدين بالتعاون والتنسيق مع الجمعية اللبنانية للأمراض المعدية والجرثومية ونقابة الأطباء ووزارة الصحة للتوعية حول مخاطر مقاومة المضادات والتحكم بها بطريقة صحيحة". وبالرغم من سوء استخدام المضاد الحيوي، إلا أنه لا يمكن أن ننكر أن لهذا الدواء فعالية كبيرة في معالجة الكثير من الأمراض وإنقاذ حياة كثيرين، لذلك لا مهرب من استخدام المضاد الحيوي، لكن بطريقة صحيحة ورشيدة".

في حين رأى الاختصاصي في الأمراض الجرثومية والمعدية ورئيس القسم الباطني في المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية - مستشفى رزق البروفسور جاك مخباط أنه "صراحة نحن لا نختلف عن باقي الدول، هذه المشكلة عالمية خاصة انه منذ 20 عاماً لم يتمّ اكتشاف أدوية جديدة وعائلات جديدة من المضادات الحيوية وكأنها استنزفت الأهداف التي تسمح لنا بالدخول الى الجراثيم والقضاء عليها. لذلك تحاول شركات الأدوية "الترقيع" لدمج مضادين حيويين لإعطاء مفعول أقوى للعمل على الجرثومة المقاومة. ما يعني أنه لدينا صعوبة في وضع إنتاجات جديدة، وهذه مشكلة نواجهها جميعنا في لبنان والخارج. نحن نعلم أن المضاد الحيوي مهمته القضاء على الجرثومة، وعبارة "إذا ما نفع ما بضرّ، رح تقتلنا"، وستقضي على المضادات الحيوية ومستقبل المجتمع في حال استمررنا بهذه الثقافة والاستخدام العشوائي."

وأشار الى أن المشكلة الأكبر تكمن في "الاستخدام العشوائي للمضاد الحيوي، ما يدفعنا إلى بذل الجهود كقطاع طبي وصيدلاني للتوعية حول مخاطر هذا الاستخدام والتثقيف في كيفية استخدام المضادات الحيوية بالكمية والنوع المناسب وفق نوع الجرثومة. لذلك لقد أعدّت كل من وزارة الصحة العامة ومنظمة الصحة العالمية خطة وطنية للسيطرة على مشكلة مقاومة مضادات الميكروبات وتحفيز الاستخدام الحكيم لها وهي توصي اليوم كل المستشفيات بإنشاء برنامج حول الاستخدام الحكيم لمضادات الميكروبات يكون معتمداً على كافة الأراضي اللبنانية. وعلى صعيد آخر تقوم وزارة الصحة العامة بتنظيم ورش عمل وطنية إضافة إلى إعدادها مبادئ توجيهية وطنية لعلاج مضادات الميكروبات للأمراض المعدية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية. ولكن يبقى الدور الأهم لوسائل الإعلام لنشر التوعية حول الاستخدام الصحيح للمضادات الحيوية".

هل يمكن ان تؤدي المقاومة القوية للمضادات الحيوية إلى البكتيريا المقاومة لأدوية متعددة؟ يشدد رئيس قسم دائرة الباتولوجيا الاختبارية للمناعة والميكروبيولوجيا في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت البروفسور غسان مطر على "أن هناك آليات عدة تجعل المقاومة القوية للمضادات الحيوية قادرة على تعزيز البكتيريا وجعلها مقاومة لأدوية متعددة. على سبيل المثال هناك نوع من DNA الحمض النووي الموجود عند بعض البكتيريا يحمل جينات، وهذه الجينات تنتقل من هذه البكتيريا الى بكتيريا أخرى بالمحيط نفسها والتي تؤدي إلى تعزيز المناعة في وجه مضادات حيوية متعددة.

أبو أحمد: لن نستسلم والصحف ستعود الى مجدها

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard