قصّة زوجة الأمير... اللايدي غوديفا "جابت الشوارع عارية من أجل الشعب"؟ FactCheck#

10 أيلول 2019 | 15:51

المصدر: "النهار"

لوحة اللايدي غوديفا، جون كوليير، 1897.

اسمها "اللايدي #غوديفا". في الايام القلية الماضية، اشتهرت على وسائل التواصل الاجتماعي نظرا الى "بطولتها" المزعومة، دفاعا عن شعبها. قصة مثيرة للاهتمام، خصوصا انه في المزاعم المتناقلة، "ركبت اللايدي حصانها عارية، وجابت شوارع لندن"، لتكسب شرطا فرضه عليها زوجها "كي يخفف الضرائب عن الشعب البائس". لوحة لغوديفا العارية على حصانها أُرفقت بالقصة المتناقلة... و"هذه نسخة الى الحكومة اللبنانية التي عرّت شعبها بالكامل ولم تخجل"، وفقا لما يعلق احدهم.

FactCheck# لتبيان الحقيقة من الاسطورة.

النتيجة: نعم، #اللايدي_غوديفا Lady_Godiva# شخصية انكليزية حقيقية عاشت في القرن الحادي عشر، وعُرِفت بكرمها وتصدقها. غير ان ركوبها عارية "لم يحصل" وهو مجرد "أسطورة"، على ما يتفق عليه العلماء.

الى جانب تناقل هذه الأسطورة على انها قصة حقيقية، يتضمن المنشور اخطاء عدة، منها تاريخ "لوحة اللايدي غوديفا" المرفقة به، وذكره ان اللايدي "جابت شوراع لندن عارية"، بينما الاسطورة تشير الى مدينة كوفنتري الانكليزية. كذلك، افتقر الى الصدقية في الفقرة المتعقلة بالامير والوزير و"الشعب الذي علم بمدى تفاني السيدة". الاسطورة مختلفة!

"النّهار" دقّقت من أجلكم

الوقائع: منذ ايام عدة، تتناقل صفحات لبنانية وعربية قصة اللايدي غوديفا، مع لوحة تمثلها، وذلك كي تكون عبرة للمسؤولين القيمين على شؤون البلاد. "نسخة الى الحكومة اللبنانية التي ما زالت تفكر في فرض الضرائب"، وفقا لتعليق. "هذا حصل في العصور الوسطى، ونحن في القرن الحادي والعشرين. عندنا الناس عراة، والمسؤولون ينظرون بسخرية غير مهتمين"، كتب آخر.

التدقيق:

-بحثا عن البوست، يتبيّن انه سبق ان انتشر خلال الاعوام الماضية. وظهرت آثاره عامي 2016 (اعلاه) و2018، قبل ان يحظى بدفع قوي ابتداء من 28 آب 2019 على الاقل. ولا يزال تناقله على قدم وساق حاليا.

-السؤال الأول: هل اللايدي غوديفا حقيقية؟

تظهر الابحاث التاريخية أن اللايدي غوديفا شخص حقيقي عاش في القرن الحادي عشر. وهنا بعض المعلومات التاريخية عنها:

كانت سيدة نبيلة إنكليزية عاشت خلال القرن الحادي عشر.

رغم انتمائها الى الطبقة الغنية، إلا أنها اشتهرت بتعاطفها مع المحتاجين، وعرفت بأنها كانت متصدقة، وفقا لموقع Ancient Origins (هنا). وكانت متزوجة من ليوفريك، أحد أقوى النبلاء الإنكليز الذين عاشوا خلال القرن الحادي عشر.

ويظهر اسمها مع اسم زوجها ليوفريك Leofric، في وثائق تعود لذلك الزمن. ويظهر توقيعها على وثائق تقدم منحًا لأديرة. كانت، على ما يبدو، امرأة كريمة (موقع thoughtco).

وفقا لسجل يعود الى القرن الثاني عشر، كانت غوديفا ارملة عندما تزوجت من ليوفريك. وتمّ ذكرها ايضا في كتاب دوميزداي Domesday (تضمن أول مسح جغرافي للمدن والبلدات في انكلترا)، على أنها على كانت على قيد الحياة بعد فتح النورمان (1066) لانكلترا، باعتبارها المرأة المهمة الوحيدة التي كانت تملك أرضا بعد الفتح. ولكن لدى الانتهاء من كتابة هذا الكتاب (1086)، كانت توفيت (موقع thoughtco).  

-السؤال الثاني: هل حصلت بالفعل جولة اللايدي غوديفا على حصانها وهي عارية، أم أنّها أسطورة؟

يتفق "معظم علماء العصور الوسطى على أن هذه الجولة لم تحصل"، على ما تورد مجلة هارفرد Harvard Magazine في مقالة لشارلز كو بعنوان: Lady Godiva: The Naked Truth اي لايدي غوديفا: الحقيقة المجردة (أو العارية)، وقد نشرتها في عددها الصادر في تموز- آب 2003 (هنا).

وتنقل المقالة عن أستاذ الأدب الانكليزي والاميركي دانيال دونوغيو Daniel Donoghue، ان "هذه القصة تستند إلى حياة غوديفو، وهي امرأة حقيقية عاشت في كوفنتري في الفترة الأخيرة من القرن الحادي عشر، وتزوجت من أحد أقوى الرجال في إنكلترا".

ويوضح انه "بعد مرور قرنين على وفاتها، أدخل المؤرخون في دير سان ألبانز البينديكتي قصة مطوّرة بالكامل في تاريخهم اللاتيني"، ووُلِدت أسطورة اللايدي غوديفا. ويقول: "لا أحد يعرف تمامًا سبب اختراع الأسطورة وربطها باسم اللايدي غوديفا. لكن يبدو أنها تمثل نوعا من الأساطير الأصلية لمدينة كوفنتري Coventry. في النهاية، لقد ختم الكونت لوفريك الاتفاق حول الضرائب بختمه الخاص".

لايدي غادوفا، مارشال كلاكستون، 1850.

وهنا ايضا بعض المعلومات عن تلك القصة المزعومة:

لم تظهر هذه القصة في "أي سجل مكتوب لدينا الآن، حتى بعد 200 عام تقريبًا من امكان حصوله".

أقدم قصة بهذا الشأن كتبها الراهب روجر وندوفر Roger of Wendover في الـ"فلوريس هيستوريوم" Flores Historiarum (اشار اليها دونوغيو اعلاه)، زاعما أن تلك الجولة حصلت عام 1057 (موقع thoughtco). وندوفر راهب في دير سان البنز، ومؤرخ من انكليزي من القرن الثالث عشر (توفي عام 1236).

وتجدر الاشارة الى ان ما كتبه الراهب وندوفر في سجله هو أن "غوديفا توسلت زوجها لوفريك ليخفّف العبء الثقيل للضرائب التي فرضها على مواطني كوفنتري. وبعدما ضجر من الحاحها، قال لها إنه سيوافق على طلبها إذا ركبت (حصانها) عارية في المدينة". و"بقية القصة المتناقلة لم يتم توثيقها اطلاقا"، على ما تفيد صفحة History في موقع "بي بي سي".

نقطة أخرى. صحيح ان سجلا تاريخيا يعود للقرن الثاني عشر، ومنسوبا للراهب فلورانس وورسيستر، يذكر ليوفريك وغوديفا، الا ان تلك الوثيقة لم تتضمن شيئًا عن واقعة الركوب المزعومة تلك.

ومع ظهور تفسيرات عدة لقصة الركوب المزعومة خلال القرون الماضية، وايضا نسخ مختلفة لها، الا ان "غالبية العلماء المهمين يتفقون على أن قصة ركوب اللايدي غوديفا الحصان وهي عارية، ليست تاريخًا، بل أسطورة. لا يوجد دليل تاريخي موثوق به قريب من تلك الحقبة، والتأريخ الأقرب زمنيا من تلك الحقبة لم يأت على ذكر هذا الركوب لاضفاء صدقية على هذا الاستنتاج".

"توم المتلصص"

-ما يجب معرفته ايضا هو ان هناك جزءا مثيرا في تلك "الاسطورة" لم تتضمنه نسختها بالعربية المتناقلة على وسائل التواصل الاجتماعي. وهو الآتي: "يُقال أن تعاطف اللايدي غوديفا مع شعب كوفنتري كان عظيماً لدرجة أنها تغلبت على رعبها من الركوب عارية. فأمرت الناس بالبقاء في منازلهم، وابقاء نوافذهم وأبوابهم مغلقة". وبعدما "ارخت شعرها الطويل ليغطيها كثوب"، انطلقت على حصانها، وتجولت في "الشوارع الساكنة بعدما أطاع الناس أمرها بسبب احترامهم لها".

"غير ان رجلا واحدا فقط، يدعى توم، لم يتمكن من مقاومة اغراء التلصص على الكونتيسة (من هنا جاء مصطلح توم المتلصص Peeping Tom). فتح نافذته. ولكن قبل أن يتمكن من امتاع نظره، أصيب بالعمى". وبعد انتهاء محنتها، عادت غوديفا إلى زوجها الذي أوفى بوعده بإلغاء الضرائب الثقيلة" (من موقع History-BBC).

يعتبر "توم المتلصص" احدى الحبكات المثيرة للاهتمام لتلك الاسطورة، علما انه "لم يظهر حتى القرن السابع عشر"، على ما يوضح الاستاذ دونوغيو، في ما يشكل فجوة زمنية كبيرة جدا تصل الى نحو 800 سنة (بين التاريخ الذي حدده الراهب روجر وندوفر وظهور توم). ويقول: "مع مرور الوقت، سيصبح توم كبش فداء، ويحمل الذنب الرمزي لرغبة الناس في النظر إلى هذه المرأة العارية". توم سيصبح ايضا شخصية جذابة للفنانين والمؤلفين.

ملاحظات اضافية

-الاسطورة كما ترد اعلاه، لم تأت على ذكر "الوزير وتفاجؤ الامير"، كما أورد المنشور المتناقل على وسائل التواصل. كذلك، تعارض الاسطورة ما جاء في المنشور على صعيد الشعب الذي "عندما علم بمدى تفاني السيدة لزم المنازل وأغلق الشبابيك والستائر، حفاظاً على سترها". وفقا للاسطورة، فإن اللايدي غوديفا هي التي "أمرت الناس بالبقاء في منازلهم، وابقاء نوافذهم وأبوابهم مغلقة" لدى مرورها في الشوارع.

-بالنسبة الى الصورة المرفقة بالبوست المتناقل، يبيّن التدقيق انها تعود لعام 1897، وليس الى عام 1898 كما ورد في المنشور. وقد رسمها جون كوليير John Collier (موقع دليل مدينة كوفرنتي على الانترنت، وموقع NewworldEncyclopedia).

كذلك، ينشر معرض ومتحف هربرت للفنون بكوفنتري لوحات مختلفة تمثل القصة المزعومة (هنا). يشار الى ان مدينة كوفنتري تقيم مهرجانا سنويًا يتخلله تمثيل الركوب المزعوم للايدي غوديفا في شوارع المدينة (BBC).

النتيجة: صحيح ان اللايدي غوديفا Lady Godiva شخصية انكليزية حقيقية عاشت في القرن الحادي عشر، الا ان ركوبها عارية "لم يحصل" وهو مجرد "أسطورة"، على ما يتفق عليه العلماء. الى جانب تناقل هذه الأسطورة على انها قصة حقيقية، يتضمن المنشور اخطاء عدة، منها تاريخ "لوحة اللايدي غوديفا" المرفقة به، وذكره ان اللايدي "جابت شوراع لندن عارية"، بينما الاسطورة تشير الى مدينة كوفنتري الانكليزية. كذلك، افتقر الى الصدقية في الفقرة المتعقلة بالامير والوزير و"الشعب الذي علم بمدى تفاني السيدة".

hala.homsi@annahar.com.lb



الى محبّي التارت... تارت الفراولة والشوكولا بمقادير نباتية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard