الورقة الاقتصادية الإصلاحية ما لها وما عليها

5 أيلول 2019 | 18:02

الاجتماع الاقتصادي في بعبدا.

تداعت القوى السياسية اللبنانية بمختلف مشاربها وتوجهاتها إلى اجتماع طارئ دعا إليه رئيس الجمهورية في القصر الجمهوري بتاريخ 2 أيلول الجاري، لدرس ورقة اقتصادية إصلاحية تكون نواة لخطة إنقاذية مالية واقتصادية بعد ما آلت إليه الأمور من مؤشرات تنذر بتفجّر الأوضاع على مختلف المستويات. ويُسجّل لهذا الاجتماع وما نتج عنه من خطة اقتصادية تحت عنوان: "مقترحات وإجراءات إصلاحية أولية لمواجهةالأزمة"، عدة إيجابيات يمكن حصرها على الشكل الآتي:

- للمرة الأولى في التاريخ اللبناني الحديث يُعترف بفشل النموذج الاقتصادي الريعي القائم، وبأنه سبب الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية المتكررة، وبضرورة الانتقال إلى الاقتصاد الإنتاجي. وأنه يجب القيام "بإصلاحات بنيوية وجذرية تواجه الأزمة المالية وتضع الاقتصاد على مسار النمو المستدام، وتعمم منافعه على شرائح المجتمع كافة، وتعزّز إنتاجية القطاع العام وتحفّز الاستثمار الخاص على حساب الريع، وتؤمن الحماية الاجتماعية وفرص العمل والابتكار"، و"بناء اقتصاد منتج تنافسي واحتوائي يحقق نمواً اقتصادياً مستداماً بعدلات مرتفعة".

- تتضمن الخطة سياسات مالية واقتصادية واجتماعية، وإجراءات لمعالجة الخلل في الحساب الجاري الخارجي وبالتالي في ميزان المدفوعات، وبالتالي الخطة هي شاملة وتعالج جميع الأزمات. وتدعو الخطة إلى التنسيق بين السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية لما فيه مصلحة الاقتصاد بشكل عام ودعم الإنتاج بشكل خاص. ولم تعد السياسة النقدية ورفع سعر الفائدة - والتي هي السبب في زيادة كلفة الدين العام والانكماش الاقتصادي - هي السياسة الوحيدة المعتمدة. بل أقرت الورقة الإصلاحية بالانعكاس السلبي لارتفاع سعر الفائدة على خدمة الدين العام وعلى الاقتصاد والاستثمار. ولم يعد تثبيت سعر الليرة - رغم أهميته القصوى - هو الهدف الأوحد المطلوب تسخير جميع الإمكانيات المالية والاقتصادية لتحقيقه. وإنما تحوّلت المقاربة إلى "حماية الليرة بالإنتاج لا بالدين".

- الإجماع الاقتصادي من قبل جميع القوى السياسية والتي سارعت جميعها ممثّلة بالصف الأول من القيادات والتي قدمت اقتراحات للمعالجة، واتفاق هذه القوى على ضرورة الحل السريع والجذري للأوضاع المالية والاقتصادية.

- تحديد أهداف كمية بطريقة علمية بعيدة عن التنظير والتوصيف الخيالي المجرد، كتخفيض العجز المالي المحقّق إلى نسبة 6.5% من إجمالي الناتج المحلي كحد أقصى عام 2020، والعمل على خفضه إلى 4% على الأكثر بحلول عام 2022. والالتزام بسقف لتحويلات الخزينة إلى مؤسسة كهرباء لبنان لا يتجاوز 1500 مليار ليرة لبنانية.

- لحظت الخطة إجراءات وأهدافاً تدخل في التنمية البشرية والتنمية الاقتصادية المستدامة، تسعى إلى بناء "نموذج اقتصادي مؤنسن"، مع الحرص على حماية البيئة وتكريس احترامها عبر فرض ضرائب أرباح مرتفعة على الامتيازات والأنشطة المضرة بالبيئة، واقتراح خطة مستدامة لإدارة النفايات الصلبة، وزيادة الرسوم على السجائر.

- الالتزام بالمهل الدستورية والقانونية لإعداد وإقرار الموازنة العامة، والإصرار على إنجاز قطوع الحسابات غير المنجزة، وما لذلك من أثر على انتظام المالية ومراقبة الهدر ومكافحة الفساد.

- الحديث عن إعادة النظر بتخمين الأملاك العمومية البحرية وتحصيل أموالها وإخضاعها للضريبة على الأملاك المبنية.

ومع ذلك فإن هذه الخطة الإصلاحية تحوي العديد من المساوئ أهمها:

- التعارض والتضارب بين أهداف الإصلاحات والسياسات والإجراءات التي تضمنتها. فالضرائب والرسوم المقترحة لا تعزز إنتاجية القطاع العام أو تكافح الفساد فيه. إذ إن تجميد زيادة الرواتب لمدة 3 سنوات وزيادة الحسومات التقاعدية من 6% إلى 7% للعاملين في القطاع العام تقضي على روح العمل والمبادرة لدى العاملين وتفتح المجال أمام تلقي الرشاوى والفساد. ولم تتضمن الخطة أي إجراءات لتحفيز الاستثمار الخاص على حساب الريع. بل أكثر من ذلك هذه الرسوم والضرائب سيتحمل أعباءها الطبقة الفقيرة وما تبقّى من الطبقة الوسطى وبالتالي تعمّق الهوّة الاجتماعية.

- لم تتضمن الخطة نظاماً ضريبياً متكاملاً تحقق جميع الأهداف المرجوّة من الضرائب لناحية تأمين الإيرادات اللازمة لخزينة الدولة، وتشجيع الاستثمار الخاص عبر الحوافز الضريبية، والتخفيف من حدّة التفاوت الاجتماعي عبر ضريبة الدخل التصاعدية.

- الخطة المقترحة والاجتماع الذي حصل كان نتيجة ردة فعل لتهيئة الظرف السياسي والمالي لتطبيق مقررات مؤتمر سيدر، وأيضاً للوقاية من الخطر المحدق من تخفيض التصنيف الائتماني للبنان من قبل "فيتش" و"موديز"، ولإرسال رسائل إيجابية إلى "ستاندرد اند بورز" لتلافي التخفيض المرتقب لتصنيف لبنان الائتماني بعد 6 أشهر وخاصة مع التحذير الذي أصدرته بتقريرها الجديد في 4 أيلول من أن هناك مخاطر واسعة النطاق قد تتسبب في خفض التصنيف الائتماني إلى مستوى CCC.

- لم تحمّل الخطة الطبقة السياسية أي تبعة للأزمة المالية والدين العام والانكماش الاقتصادي، حيث لم تتعرض الخطة إلى حسومات في رواتبهم ومخصصاتهم. بل وفي حديثها عن مكافحة الفساد وعن لجم التهرب الضريب لم تفصح الخطة عن الآليات الواجب اعتمادها لتحقيق ذلك.

- لم تطل الإجراءات الضريبية المقترحة الأرباح التي تحققها المصارف، وإنما طاولت المودعين من خلال زيادة الضريبة على دخل الفوائد من 10% إلى 11%، أي أن الضريبة يتحملها المواطنون والمؤسسات والشركات وليس أصحاب المصارف والمساهمون. وهذا يدل على نفس العقلية في التعاطي مع أصحاب المصارف والذين بمعظمهم يشكّلون السلطة السياسية. وللعلم فإن المصارف التجارية قد حققت أرباحاً بقيمة 22 مليار و140 مليون دولار بين الفترة 1993 و2018. ولا ننسى الأرباح الهائلة التي حققتها نتيجة الهندسات المالية منذ العام 2017 وما زالت، والتي زادت من الدين العام اللبناني. مع التنويه أن هذا الدين بنسبة تتجاوز 86% تعود لهذه المصارف. فالمصارف تحصل على "الغُنم" ولا تتحمل " الغُرم".

- قد تسهم بعض الضرائب في زيادة المستوى العام للأسعار ومن ثم رفع معدل التضخم، ومنها زيادة الضرائب على القيمة المضافة لبعض السلع. ومن الجيد اعتماد معدلات ثلاثة لهذه الضريبة وحصر الزيادة على السلع الكمالية، إلا أن مفهوم الكماليات فضفاض والنظرة إلى السلع الكمالية نسبية تختلف باختلاف المكان والزمان ومستوى المداخيل واعتبارات عديدة.

- ركزت الخطة فقط على ديوان المحاسبة في تفعيل دوره الرقابي وفي ملء الشواغر في مراكزه، وقصرت دوره الرقابي على الرقابة اللاحقة فحسب، ولم تكرّس دوره في الرقابة السابقة منعاً للسرقة والإهدار. بل وأهملت الخطة دور التفتيش المركزي في دوره الرقابي المهم وفي ضرورة ملء مراكزه الشاغرة.

- لم تأت الخطة الاقتصادية على ذكر أهمية ودور الجامعة اللبنانية في النهوض الاقتصادي وفي التنمية البشرية، وعلى ضرورة دعمها بالتمويل اللازم ورفدها بالكادر التعليمي والبشري المطلوب لتطويرها ونهضتها. مع العلم أن موازنة 2019 قد استثنت الجامعة اللبنانية من قانون منع التوظيف لمدة 3 سنوات.

- في ما يخصّ أسعار البنزين فإنه يحتاج إلى تفسير أكثر حيث لم تتحدد أرقام ونسب، والخشية أن يكون وراء ذلك تحميل المستهلك عبئاً أكبر.

على الرغم من السلبيات التي تحملها هذه الورقة الإصلاحية، إلا أنها خطوة وبداية جيدة للإصلاح ومعالجة المشاكل المالية والاقتصادية وخاصة إذا صدقت النوايا. والأهم من ذلك كله: العبرة في التنفيذ.

الى محبّي التارت... تارت الفراولة والشوكولا بمقادير نباتية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard