مأساة أفغانية على هامش التطورات الدولية المتسارعة

5 أيلول 2019 | 16:57

من تفجيرات افغانستان.

فاقت بشاعة التفجيرات الإرهابية التي أصابت كابول مساء نهار السبت في 17 آب 2019 كل تصوُّر، وتزامن استهداف سهرة عرس في إحدى صالات الأفراح من قبل إرهابي فجَّر نفسه بين المحتفلين مع تفجير سيارة في الخارج استهدفت قوات الأمن الأفغانية، فاختلطت جثث الأطفال والنساء مع جثث الجنود، وتجاوزت حصيلة العمل الشنيع 64 قتيلاً و181 جريحاً.

والعمل الإرهابي الذي تبناه تنظيم داعش "خرسان" جاء بعد شهر تموز الذي قيل إنه الشهر الأكثر دموية في تاريخ الأحداث. فقد بلغ عدد الجرحى والقتلى فيه أكثر من 1500، في قتال جرى بين القوات الحكومية ومجموعات طالبان في عدد من مناطق البلاد، خصوصاً في الشرق والشمال، وعدد من هؤلاء قضى في تفجيرات إرهابية استهدفت مدنيين، كما حصل في كابول في 25/7/2019، وأسفرت ثلاثة تفجيرات عن سقوط 9 قتلى و21 وجريحاً. وكما حصل في تفجير 2 أيلول 2019 في حي البعثات الإنسانية في كابول، أثناء بث مقابلة للمبعوث الأميركي زلماي خليل زاد على التلفزيون الأفغاني.

لا يمكن فصل المآسي المتفاقمة في أفغانستان عن المسار العام لتطور الأحداث في المنطقة المحيطة وفي العالم، فهي تترافق مع تأزُّم سياسي وأمني في منطقة الخليج، وتتعايش مع فترة من التوتر في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، كما أنها تحصل في ضوء إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن موعد قاطع لسحب جنوده الـ 14 ألفاً من أفغانستان قبل تشرين الثاني 2020 موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ولا يمكن فصل تزايد أعمال العنف في أفغانستان عن مجرى المفاوضات التي تجري بين مندوبين عن حركة طالبان وممثلين عن الإدارة الأميركية، والتي كادت أن تتوصل الى اتفاق شامل بين الطرفين، لولا بعض المعوقات التي تحتاج الى مزيدٍ من البحث، خصوصاً منها تضمين الاتفاق بند يشترط على حركة طالبان البدء بالحوار مع السلطة الشرعية للبلاد التي يرأسها أشرف غني، لتفادي حرب أهلية جديدة قد تقع بعد انسحاب الأميركيين.

ومن النقاط التي تُعيق ولادة الإتفاق، شروط طالبان بتعديل الدستور، لاسيما المواد التي تُعطي حقوقاً مدنية متساوية للرجال والنساء، خصوصاً في مجال التعليم وتولي الوظائف العامة، وهذا محل اعتراض من حركة طالبان المُتشددة.

الولايات المتحدة الأميركية تُجري مباحثات سرية مع إيران حول أفغانستان بواسطة أصدقاء مشتركين – وفقاً لما أعلنته مصادر صحيفة واشنطن بوست الأميركية - حيث للبلدين مصلحة مشتركة بعدم عودة نظام حكم مُتشدِّد الى البلاد بقيادة حركة طالبان، كما للطرفين مخاوف من عودة الحرب الأهلية من جديد بين المكونات العرقية الأفغانية، أي البشتون والهزاره والطاجيك والأُوزبك.

المفاوضات السرية الأميركية – الإيرانية حول مستقبل أفغانستان؛ تُثير مخاوف متعددة، كما تُثير تساؤلات عن دوافعها. بعض المراقبين يرون أن الولايات المتحدة الأميركية تريد أن تتجنَّب المناكفات السرية التي قد تقدم عليها طهران لعرقلة المفاوضات الأميركية الطالبانية، وهي قادرة على ذلك نظراً لعلاقاتها مع أطراف أفغانية مؤثرة، أو من خلال تواصلها غير المباشرة مع المجموعات المتطرفة. أما مراقبون آخرون لما يجري؛ فيرون أن لطهران وواشنطن مصلحة مشتركة في عدم إعادة أفغانستان الى أيدي المتشددين من جديد.

حكومة الرئيس أشرف غني التي تتحمل وزر الأعمال الإرهابية، وانعكاسات التدخلات الخارجية؛ تتطلَّع هي أيضاً الى حوار مع حركة طالبان يمهد لإنهاء التوتر الأمني الذي تعيشه البلاد منذ ما يزيد عن 40 عاماً. وهذا التوتر الذي بدأ بُعيدَ دخول القوات السوفياتية عام 1980؛ لم يتوقف رغم اجتياح أكثر من 150 ألف جندي أطلسي في أفغانستان في العام 2001، وهذا ما يجعل من المفاوضات وسيلة ناجعة لإيجاد حل سلمي للأزمة، ينهي وجود قوات أجنبية على أراضي البلاد من جهة، ويرسي استقراراً لنظام سياسي، يجمع بين الخصوصية الأفغانية – الجهوية والعرقية والدينية – وبين المعايير الديمقراطية والمدنية من جهة ثانية، ويضمن عدم سيطرة المجموعات الإرهابية المتطرفة كداعش خرسان والقاعدة وغيرهما على أجزاء من المناطق الأفغانية الوعرة.

بمناسبة التطورات الدولية المتسارعة، لاسيما وعد الرئيس الأميركي لناخبيه بالانسحاب من أفغانستان قبل موعد الانتخابات المقبلة، وعلى وقع التوتر الإيراني – الأميركي؛ تتفاقم الأحداث في أفغانستان ويسقط الأبرياء ضحايا لعنف لا ناقة لهم فيه ولا جمل، ويتزايد عدد النازحين داخل وطنهم، حيث وصل إلى مليوني نازح يحتاجون إلى المساعدة، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة.

بعد مرور 100 عام على استقلال أفغانستان عن بريطانيا؛ هل يكون الهياج الأمني الحالي بمثابة الرياح الساخنة التي تسبق الخريف الهادئ في البلد الجريح؟

الى محبّي التارت... تارت الفراولة والشوكولا بمقادير نباتية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard