أحلام منسية

5 أيلول 2019 | 10:03

المصدر: النهار

أحلام تشبه تابلوه أصيلاً من أيام الزمن الأنيق

تسكن أحلام في الدور الثاني بعمارة من خمس طبقات، تعيش في هدوء وسكون طوال الوقت، لا أحد يشعر بها، كلما قابلها أحد جيرانها يشعر بالدهشة وكأنه تذكّر فجأة وجودها معهم، وبادرها الجار أو الجارة بتلك الكلمة الاستفهامية المعتادة "فينك؟!!"، مع شهقة صغيرة تنمّ عن الاستعجاب من وجود هذا الكائن بينهم من الأساس. تجيبهم بابتسامة وكلمات بسيطة تردّ بها التحية، وبداخلها دهشة أكبر من دهشتهم، وأسئلة كثيرة تثير صخباً يختفي خلف تلك الابتسامة، حول تلك القدرة العجيبة التي تجعلها غير مرئية.

أحلام تشبه تابلوه أصيلاً من أيام الزمن الأنيق، تضعه في غرفة الصالون، تلك التي لا يدخلها أحد، يحافظ عليها أهل المنزل ويضعون فيها كل ما هو ثمين وغال، تُفتح للضيوف المميزين في المناسبات الخاصة، ثم ترتَّب بعناية وتغلَق، وقد تُنسى لفترات طويلة، لا أحد يتذكر التابلو بكل جماله وسحره، قد يسقط بعد أن تذيب السنين خيوطه المعلَّق فيها، ولن يشعروا به.

قررتْ ذات يوم أن تغير من حياتها. أول ما وقع نظرها كان على الستائر، هذا القرار مؤجل لأكثر من عامين، لمن ستغير الستائر وبالكاد يزورها أحد الأقارب في العام مرة أو مرتين، وفي المناسبات يكتفي أغلبهم باتصالات تلفونية إذا تذكّروها، طالها هي الأخرى النسيان حدّ إصابتها بذات الدهشة عندما يتصل بها أحدهم. أخذت القرار أخيرًا، ستشتري الستائر لنفسها، لتشعر هي بالتغير، واللون الأبيض المزين بالنجوم الفضية اللامعة ينير غرفتها مع كل شروق للقمر. بعد بحث طويل وسؤال الأصحاب علمت أن شارع الأزهر هو أنسب الأماكن التي تشتري منها، مع أقل خسائر في المبلغ الذي سيخدعها فيه البائع بالطبع. ذهبت في يوم حارّ تلفّ على المحال المختلفة، وخارج كل منها يصيح الصبية "يا مدام .. يا مدام اتفضلي اتفرجي مش لازم تشتري"، كانت لا تعير انتباهاً لندائهم في البداية، إلى أن لاحظت أنهم ينادون عليها هي. تداخل معهم صوت نسائي من بعيد ينادي "يا مدام"، ثم بدأ يقترب منها ويعلو شيئًا فشيئًا، إلى أن سقطت يد ثقيلة على كتفها، إلتفتت مذعورة فوجدت سيدة من الشرطة النسائية بالمترو تقول لها "بانادي عليك من الصبح يا مدام يا مدام ومش بتردي!!"، ردّت أحلام "ما أنا مش مدام عشان كدة ما ردتش"، صاحت الشرطية بأعلى صوتها "مش مدام!!!"، تركّزت كل الأعين على أحلام التي حاولت احتواء الموقف ببعض من مرح، وسألت الشرطية عن سبب مناداتها، فقالت إنها نسيت أن تضع حقيبتها على سير التفتيش، لكنها ستتركها تذهب، وكأنها تشفق عليها لكونها "مش مدام". أعادها صوت البائع وهو ينادي عليها "يا مدام"... اشترت الستائر التي كانت تبحث عنها، وهي على يقين أن السعر ليس حقيقياً رغم الخصم الذي أقنعها به البائع، وهو يؤكد مكسبها في كل الأحوال، فإن ملّت من شكلها يمكن أن تحوّلها لفستان زفاف.

فستان زفاف... ظلّت الجملة تراودها سابحة ما بين العقل والقلب، لكنها اكتشفت نسيانها تأثيرها عليها، لم تعد تتأثر بروية القماش الأبيض التل والدانتيل، وأي نوع من التأثير يجب أن يفعله هذا القماش بعقل وقلب الفتاة!

ركبت تاكسي وجدته بصعوبة وسط حرارة الجو المتزايدة، كان مكيَّفاً، يسري فيه هواء بارد كنسمات لطيفة تهدّئ من صدمة نسيانها. تصاعد صوت أم كلثوم تشدو بأغنية "بعيد عنك حياتي عذاب". تحب هذه الأغنية بشدة، وتسبح معها في عوالم أخرى. تركت لها نفسها لتذهب حيث تريد، فاجأها قلبها أن ليس هناك مَن تشعر في بُعده بعذاب، أو ربما كان في!! لا تتذكر، لا تتذكر حتى إن كانت أحبّت من قبل أم لا، بالطبع تحركت مشاعرها نحو البعض، لكن بالتأكيد لم يكن حبًّا حقيقيًّا، وإلا لم تكن لتنساه. كأن السائق قرأ أفكارها فبدّل الأغنية إلى "أمل حياتي"، تبدو معقولة إلى حدّ ما، على الأقل لا تحمل نفس عذابات الأغنية الأولى، يمكن أن تتصورها في المستقبل، رغم أن ليس له أي ملامح ظاهرة أو قريبة.

وصلت إلى المنزل وتطلعت إلى الستائر القديمة... ما زالت تحتفظ بجودتها وجمالها. سمعت طرقاً على الباب، وجدت صديقتها الصغيرة "جنى" ابنة الجيران ومعها عروستها الصغيرة، جاءت ليلعبا سويًا كالعادة. القماش التل للستائر القديمة أعجبها، فصارت تضعه على رأسها وتمثل أنها عروسة، ثم اقترحت على أحلام أن يصنعا فستان زفاف لعروستها الصغيرة، وبالفعل صنعت أحلام فستانين، أحدهما لجنى والآخر للعروسة. رأتها ذات يوم ابنة جارتها الأخرى فطلبت فستاناً مثل جنى، صارت شغلة أحلام أن تصنع من قماش الستائر فساتين لبنات الجيران وعرائسهن الصغيرة، تنسج معها أحلامها الضائعة، فتسمع صوتها يغنّي كلما تحرك الفستان على الفتيات الصغيرات.

غدًا ستكبر الفتيات وينسين أحلام وفساتينهن الصغيرة، لكن بالتأكيد ستظل أحلامها المنسية في ذاكرة تلك الفستاين.

الى محبّي التارت... تارت الفراولة والشوكولا بمقادير نباتية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard