نديم عبد الصمد القائد الشيوعي الصلب، برحيله تنطوي صفحة نضالية طويلة

3 أيلول 2019 | 17:56

نديم عبد الصمد.

مزايا نديم عبد الصمد كثيرة يعرفُها ويقدّرها خصومُه قبل أصدقائه ورفاقه، وهي تتراوح بين الحكمة والهدوء والرؤية الثاقبة التي تحلّى بها والقدرات القيادية المميّزة والتواضع الزاهد والنزاهة وكرم الأخلاق. ولكن لا بدّ من التوقّف عند بعض المحطّات التاريخية في مسيرته والخيارات الكبيرة التي اتخذها لتبيان الترابط في مواقفه والتماسك في قناعاته والتمسّك بمبادئه طيلة هذه المسيرة.

منذ بدايات التحاقه بصفوف الحركة الشيوعية اللبنانية انضم نديم عبد الصمد إلى المجموعة التي ناضلت من أجل استقلالية الحزب الشيوعي اللبناني عن الحزب الشيوعي السوري نظراً لقناعتها بخصوصية كلا البلدين لاسيما سياسياً واقتصادياً. فكان الصراع داخلياً بين الحزب الذي قادَه خالد بكداش من دمشق والمدعوم سوفياتياً (في عهد ستالين وما بعده) والنزعة الاستقلالية التي قادها فرج الله الحلو ونقولا الشاوي ورفاقُهما ودفع فرج الله حياتَه ثمناً لها. ومن أبرز عناوين الصراع هو موافقة الحزب البكداشي على قرار تقسيم فلسطين التزاماً بقرار الاتحاد السوفياتي والحركة الشيوعية العالمية. لذلك ساهم نديم مع مجموعة من رفاقِه الشباب في الصراع من أجل استقلالية قرار الحزب الشيوعي اللبناني عن الحزب الشيوعي السوفياتي، رغم الدعم المعنوي الكبير الذي كان يوفّره السوفيات للحزب في تلك الفترة. ذلك انطلاقاً من خصوصية لبنان والمنطقة العربية والاختلافات في الرأي حول القضايا القومية والصراع الوطني الديموقراطي. وقد أدّى هذا الخيار السياسي إلى تعميق العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية لا بل ساهم في وضعها على قائمة الحلفاء الأساسيين للسوفيات والمعسكر الاشتراكي منذ انطلاقتها الجديدة أواسط الستينيات، وقد شغل نديم منصب أمين سر الجبهة المشاركة مع الثورة الفلسطينية برئاسة كمال جنبلاط. وقد تركز الاهتمام على الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني كعنوانٍ لصراع مع القيادة السورية آنذاك.

وكان لنديمٍ الدور الكبير في المحافظة على الخيط الرفيع الذي ربط القيادة السوفياتية والحزب الشيوعي وفضلٌ أساسي في اعتبار منظمة التحرير حليفاً للسوفيات والمعسكر الاشتراكي في المنطقة. إذ كانت تربطه علاقات شخصية مع ياسر عرفات منذ أن التقيا في الحركة الطلابية، كما ربطته علاقات وثيقة بالقيادة السوفياتية وقيادات أوروبا الشرقية، نسجها بعناية ودقة عندما كان في اتحاد الشباب الديموقراطي العالمي. حتى إن هذه العلاقات قد ساهمت في تعزيز دوره الاستشاري حول قضايا دقيقة مرّت بها المنطقة العربية واستدعت تدقيقاً في مواقف السوفيات من الثورة اليمنية والنزاعات الداخلية التي عاشها اليمن الجنوبي وغيرها، وقد استمرت هذه العلاقات مع بعض القيادات الروسية بعد انهيار الإتحاد السوفياتي وقيام الاتحاد الروسي.

مجموعة الشباب ذاتُها قادت الحزب في معركة استقلالية قرارِه عن النظام السوري الذي سعى إلى فرض هيمنته على الحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية واستخدامهما كأداة في علاقاته العربية والدولية لتقوية مواقعه. واستمرت هذه التجاذبات إلى أن تحوّلت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمّول) ساحةً لهذا الصراع بين الحزب الذي أطلقها (إلى جانب منظمة العمل الشيوعي من منزل الشهيد كمال جنبلاط في أيلول 1982) والنزعة البعثية للاستئثار بقرارها. وكان نديم عبد الصمد مؤمناً بضرورة استقلالية القرار الوطني اللبناني المقاوم مع بناء شبكة تحالفات واسعة عربية وعالمية. وهذا الموقف شكّل نقطة خلاف جوهريّة داخل قوى المواجَهةِ مع العدو الاسرائيلي.

إستمر الصراع إلى ما بعد اتفاق الطائف وانتهاء الحرب الأهلية اللبنانية حيث استبعدت القيادة السورية الحزب الشيوعي من أي موقع مسؤولية في مرحلة إعادة بناء الدولة وتثبيت السلم الأهلي. إلى أن جاء الانسحاب الإسرائيلي من الشريط الحدودي تنفيذاً للقرار 425 مزيلاً بذلك الحجة التي برّرت استمرار الوصاية السورية على لبنان لسنوات. فكان أن أطلقت مجموعة يسارية بقيادة نديم عبد الصمد التيار السيادي الذي طالب بالانسحاب السوري استكمالاً لتنفيذ إتفاق الطائف، بعد تأخير فاق العشر سنوات. ساهم نديم عبد الصمد في تلك المرحلة بقيادة المنبر الديمقراطي إلى جانب لقاء قرنة شهوان والحزب التقدمي الاشتراكي ومنظمة العمل الشيوعي وشخصيات مستقلة كحبيب صادق والسيد هاني فحص ومن ثم أسّس وقاد حركة اليسار الديمقراطي اللذين ساهما في اندلاع ثورة الأرز بعد الاغتيال المدوّي للرئيس الشهيد رفيق الحريري. فأُخرِجَ الجيش السوري من لبنان بعد 15 عاماً على اتفاق الطائف وخمسة أعوام على انسحاب العدو الإسرائيلي، وتم هذا الانسحاب على دماء شهداء وطنيين كبار تمسّكوا بموقفهم السيادي والمبدئي بدءاً بكمال جنبلاط ورينيه معوض والمفتي حسن خالد ورفيق الحريري وسمير قصير وجورج حاوي وجبران التويني ورفاقهم، وكانت تربط معظمهم بنديم علاقات صداقة متينة.

بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005 تحوّل دور المقاومة الإسلامية من وسيلة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي (رغم اللغط الكبير الذي خلقته قضية مزارع شبعا بعد العام 2000) إلى الأداة التي استبدلت دور الأجهزة الأمنية السورية بهيمنة سلاح المقاومة وجهازه الأمني المدعوم إيرانياً. رغم ذلك، ساد اتجاه في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني وبعض القوى اليسارية للتحالف مع مشروع حزب الله المتحوّل من المقاومة إلى نظام أمني يُمسك بالحياة السياسية بقبضة من حديد، وهذا ما لم يوافق عليه نديم عبد الصمد انطلاقاً من إنتمائه اليساري والعلماني الراسخ ونزعته الاستقلالية والديموقراطية.

بهذا المعنى يجب قراءة مسيرة نديم عبد الصمد وخياراته الوطنية المنسجمة مع قناعاته والتي منذ بدأها في أواخر أربعينيات القرن الماضي وحتى وفاته كان مضمونُها دائماً الاستقلالية والسيادة. ومن هذه المنطلقات يجبُ النظرُ إلى مواقفِه من الحزب الشيوعي الذي قضى ردحاً من عمره مناضلاً أميناً في صفوفِه وعلى أساسِها يفترض القيام بقراءةٍ متأنيّةٍ لمسيرةٍ حافلةٍ وإعادة النظر بالتموضعات الفكرية والسياسية للحزب في مرحلة أكثر ما تتطلبه هو تعزيز النزعة السيادية والاستقلالية وحماية الدولة من الهيمنة الأمنية والوصايات الخارجية على أنواعها.

هكذا دائما يرحل الكبار، يمشون بصمتٍ تاركين بصماتٍ واضحة وبرحيلهم تُطوى صفحةٌ تبقى منها عبرٌ للتأمّلِ وتجاربٌ للتعلّمِ.

الى محبّي التارت... تارت الفراولة والشوكولا بمقادير نباتية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard