الفارق الجوهري بين أيقونة مادونا وأيقونة الرئيس

2 أيلول 2019 | 12:26

أيقونة مادونا وأيقونة الرئيس

في الاصل الاغريقي، eikon تعني الايقونة "الصورة او الرمز". حملت الايقونات في بداياتها صورا للمسيح وللعذراء مريم ولقديسين، وهي من التقاليد البيزنطية في الكنيسة الشرقية. في المرحلة التي كانت فيها المسيحية تلقى الاضطهاد على أيدي الرومان، عكست الايقونات صورا من الواقع لها ابعاد مسيحية لكن لا يمكن التعبير عنها صراحة. وقد شهد تاريخ المسيحية صراعا داخليا حادا وطويلا حول شرعية الايقونة وما اذا كانت مخالفة للمعتقدات المسيحية، كونها تجسد بالصورة المسيح الاله. فمُنعت احيانا وسُمح بها في احيان أخرى.

مع الوقت تطور مفهوم الايقونة، ولم يعد يقتصر على معناه الديني، بل أصبح تجسيدا لشخص او شيء يعتبر رمزا لمعتقد او بلد او جماعة او ثقافة.

انتقد كثير من المسيحيين منذ نحو الشهر، احد أعضاء "مشروع ليلى" لوضعه عل صفحته الفايسبوكية صورة لأيقونة، يظهر فيها وجه المغنية مادونا مكان وجه السيدة العذراء وهي تحتضن ابنها يسوع. كما انتقد بعضهم القليل منذ ايام، رجال دين لإهدائهم إلى رئيس الجمهورية ايقونة للعذراء ايضا، تحتضن فيها ابنها بيد وتضع اليد الاخرى على كتف الرئيس عون في صورة له أُلصقت على الايقونة.

هل من فارق بين السلوكين؟

تبدو لي أيقونة مادونا "جنحة" بالمقارنة مع "جريمة" أيقونة الرئيس، في ما يتعلق بالمس بالمعتقدات المسيحية.

أيقونة مادونا، وهنا الفارق الجوهري بين الايقونتين، تجعل مادونا تتشبه بالعذراء، اي تجعل من بشري يعتبر غير كامل، يتشبه، ولو على طريقته، برمز ديني يعتبر كاملا. الفكرة تتجاوب مع دعوة يسوع جميع البشر الى ان يكونوا كاملين كأبيهم الذي في السماوات. غني عن القول ان يسوع لا يستثني من دعوته الذين ينبذهم المجتمع، فهو كرس حياته للدفاع عن هؤلاء.

اما أيقونة الرئيس، على عكس الاولى، فتجعل العذراء تتشبه بمؤيدي الرئيس عون، اي تجعل رمزا دينيا يعتبر كاملا، يتشبه ببشري يعتبر غير كامل. وهذا مخالف للمعتقدات الدينية.

معروف في علم الايقونات، ان لإتجاه يد العذراء معناه. فهي تشير بيدها الى"طريق الحق" عندما توجهها عادة الى يسوع. من الواضح في ايقونة الرئيس، انها توجهها الى الرئيس عون شخصيا.

كم تبدو حرية التعبير مرتبطة عندنا بموقع الجهة التي تمارسها، وكم هي اسيرة التحالف الوثيق بين السلطتين السياسية والدينية.

فعندما نشرت فرقة "مشروع ليلى" ايقونة مادونا، تضامنت السلطتان لقمع الفرقة، في حين ان ما يشبه الصمت المطبق رافق نشر ايقونة الرئيس الصادرة علانية عن رجال دين، بإسثناء بعض الانتقادات الفايسبوكية العابرة.

السلطة السياسية تستخدم الدين لتوسيع سلطتها على مرافق المجتمع، كما في منع حفلة "مشروع ليلى"، والسلطة الدينية تبارك للسلطة السياسية افعالها، كرد جميل، كما في ايقونة الرئيس.

موقفي الشخصي من الايقونتين، يتلخص بتمسكي كمواطن علماني، بحرية التعبير لجميع المواطنين، بمن فيهم رجال الدين. اي اني لن ادعو بالطبع لعدم حضور قداديس رجال الدين الذين أهدوا الايقونة، ولا الى معاقبتهم كنسيا، على عكس ما تعاملت به السلطات الكنسية مع "مشروع ليلى". لكن مشكلتي مع الايقونتين هي في مكان آخر.

اني اعتبر ان الايقونتين قد تعدتا على الحرية الفكرية، من حيث عبثهما بعمل فني بدون موافقة اصحابه، وبما يشبه السرقة الفنية.

لكن أيقونة مادونا لم تصنعها فرقة "مشروع ليلى" بل جرى نقلها عن صفحة اخرى. اما أيقونة الرئيس فصُنعت خصيصا بطلب من رجال الدين. النية في الجرم أوضح في ايقونة الرئيس.

الى محبّي التارت... تارت الفراولة والشوكولا بمقادير نباتية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard