بين العنف الأسري والحضانة: مشرِّع لن يمسّ بتمنيات المرجعيات الدينية؟

27 آب 2019 | 14:02

المصدر: "النهار"

تحرّك منظمة "كفى" ("فايسبوك").

في عام 2018 أصدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تقريراً عن قتل الفتيات والنساء بسبب جنسهن، حيث أشار التقرير إلى أن أخطر مكان للنساء هو بيوتهن. والوضع لا يختلف كثيراً في لبنان حيث تموت إمرأة واحدة من العنف الأسري كل شهر. فمن منال عاصي إلى رلى يعقوب ورنا بعينو يمتد درب الجلجلة طويلاً لتبقى الذاكرة وبضعة صور في حين ينتظر المجتمع والإعلام صدور الأحكام القضائية التي قد ترمي بالجاني خلف القضبان.

اليوم وبعد 5 سنوات على صدور قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري (قانون 293/2014)، تنشط هيئات المجتمع المدني من أجل تعديل القانون وإقراره في مجلس النواب ليراعي خصوصيات المرأة من جوانبها كافة ويولي الحق في حماية الأفراد من العنف الأسري. لذلك تعقد اللجنة الفرعية المنبثقة من اللجان النيابية المشتركة والمكلفة درس اقتراح القانون يوم الأربعاء جلس مغلقة لدراسة القانون وتعديلاته بعدما استمعت اللجنة إلى الأطراف المعنيين كافة. فمن هي هذه الأطراف، وما هي التطورات التي ستشهدها الأيام المقبلة في هذا السياق؟

جمعية "كفى"

بالنسبة إلى تعديل هذا القانون تولي جمعية "كفى عنف واستغلال" أهمية كبرى للمادة 12 التي تتطرق إلى حماية الأطفال مع الضحية إذا كان هؤلاء الأطفال بسن حضانتها بحسب قوانين أحوال الشخصية، وتعتبر كفى أن هذه المادة تنسف مبدأ الحماية لأنه لا يمكن أن نشترط سناً للحماية. فهناك طوائف يختلف فيها سن الحضانة بين الفتاة والصبي لذا لا يمكنني أن أحمي أحدهم وأترك الآخر مع المعنّف. وفي الوقت عينه لا يمكنني أن أحمي أولاداً من طائفة معينة لأن سن حضانتهم تسمح بالحماية ويُحرم أطفال آخرون لأن سن حضانتهم لا تسمح، وتالياً لا يمكن المعيار الطائفي أن يُعتمد للحماية بدل أن تكون مصلحة الطفل هي الأولوية. من هنا تدعو "كفى" اللجنة الفرعية إلى تعديل هذه المادة فتنصّ المادة على حماية الأطفال بغضّ النظر عن طائفتهم.

لكن وبحسب "كفى" بعض النواب في اللجنة يتقصدون صرف النظر عن المادة الأساسية والتي تهدف إلى حماية الأولاد.

الهيئة الوطنية لشؤون المرأة

الهيئة التي تهدف إلى سد جميع الثغرات الموجودة في أحكام القانون الراهن من أجل تأمين حماية شاملة وغير مجتزأة للمرأة اللبنانية وأطفالها، تؤكد أن اقتراح تعديل القانون رقم 293/2014 انطلق من ملاحظات القضاة المعنيين بتطبيق أحكامه (قضاة العجلة والقضاة الجزائيين) وملاحظات جمعيات المجتمع المدني المعنية برصد الانتهاكات لحقوق المرأة والعمل على ضمانها وحمايتها. ويأتي موقف الهيئة متوزاياً مع موقف جمعية "كفى"، حيث تصرّ الجمعية على تعديل أحكام المادة 12 من القانون الراهن لأنه من الضروري والمنطقي أن يصار الى حماية الأولاد القاصرين المعرضين للعنف الأسري من دون الأخذ بعين الاعتبار لموضوع سن الحضانة. وفي هذا السياق، تقول رئيسة الهيئة كلودين عون روكز أنه يجب تعديل هذه المادة خصوصاً للأسباب التالية:

1. لا يهدف تعديل المادة 12 الى تغيير سن الحضانة أو المس بقوانين الأحوال الشخصية، إنما يهدف الى حماية الأطفال القاصرين المعرضين للعنف في منزلهم العائلي. فأمر الحماية هو تدبير موقت يتخذ بهدف حماية المرأة وأطفالها من العنف الذي يمارس عليهم، وتتوقف مفاعيله متى توقف العنف الممارس.

2. إن دراسة اجتهادات المحاكم الشرعية والمذهبية والروحية تبين أنها تتخذ قرارات بنزع الحضانة عن من لديه الحق بها في حال ثبوت ممارسته للعنف على أولاده، وتالياً فإنه لا يوجد أي تعارض بين الأحكام المقترحة وقوانين الأحوال الشخصية.

3. إن اعتماد سن الحضانة كمعيار لتأمين الحماية للأطفال المعرضين للعنف الأسري يؤدي الى الإخلال في مبدأ المساواة بين الأطفال القاصرين لا سيما في ضوء أن تطبيق أحكام المادة 12 الراهنة (قبل اقتراح تعديلها) أظهر النتائج السلبية لقيام المشرّع بربط موضوع حماية الأطفال بسن الحضانة. إن التجربة العملية ومتابعة حالات فردية متعددة بينت أن الأطفال فوق سن الحضانة استمروا بالتعرض للعنف الجسدي والمعنوي مما أثر على تطورهم النفسي والجسدي والعلمي.

4. إن حماية الطفولة في لبنان هو حق لجميع الأطفال تحت سن 18، وهو واجب وطني يقع على جميع المسؤولين في الدولة التي يتوجب عليها من خلال مؤسساتها الرسمية وفي طليعتها مجلس النواب، حماية حقوق الأطفال في لبنان وتعزيزها ومنع أي انتهاك تتعرض له.

وفي حين تتناقل بعض الأوساط الضغط الكبير الذي تشكله إحدى المرجعيات الدينية لمنع تعديل القانون وهذه المادة خصوصاً، تعتبر الهيئة أن اقتراح تعديل قانون العنف الأسري يهدف الى تأمين حماية اشمل وأكبر، وهو لا يهدف بأي شكل من الأشكال الى التعرض للأحكام الدينية لدى مختلف الطوائف اللبنانية.

وإن تصوير القانون على أنه مخالف لأحكام الدين من شأنه أن يعيق تحقيق الهدف من ورائه. ومن هنا تعمل الهيئة الوطنية على اعتماد حوار بناء ومنفتح مع جميع المرجعيات الدينية المعارضة لاقتراح التعديل. وقد قدمت الهيئة الى رئاسة مجلس الوزراء رداً معللاً ومسهباً على جميع ملاحظات المراجع الدينية، وذلك لكسر جدار الخوف من التعديل ولإقناع المرجعيات الدينية بأنه ليس مخالفاً للتعاليم الإلهية.

اللجنة الفرعية

أما النائب سمير الجسر رئيس اللجنة الفرعية التي تشكلت لدراسة القانون فقد قال لـ "النهار" أن "اللجنة استمعت إلى الأطراف المعنيين كافة في جلساتها السابقة بمن فيهم المرجعيات الدينية التي بحسب قوله لها دور ورأي في هذا الموضوع". وتطرق الجسر إلى أنه "وضع ردود كافة الأفرقاء على المواد لمناقشتها في جلسة يوم الأربعاء، حيث قد يتطلب رفع التعديل إلى اللجان المشتركة ثلاث جلسات أخرى".

ولفت الجسر إلى أن "التعديلات قد لا تذهب بنفس المنحى الذي قدمته جمعية "كفى" والهيئة الوطنية بأنها تخدم مصالح الجميع". وعند سؤالنا له عن المادة 12 وتشديد "كفى" والهيئة على هاتين المادتين علّق الجسر أنه لا يستذكر مضموع المواد في الوقت الحالي ويحتاج إلى أن يعود إلى محاضر الجلسات والتعديلات المقترحة كي يجيب عن السؤال.

أما النائبة رلى الطبش فذكرت أن "الجميع مع هذا القانون والجميع يريد أن يحمي الأسرة من العنف". لكن بخصوص المادة 12 فتعتبر الطبش أن "هذه المادة لا تتعلق بالحضانة، حيث إذا كان هناك ضرر على الأطفال فقرار الحماية يشمل كافة الأطفال بغض النظر عن الحاضنة بيد من من الأهل، ومن الصعب ربط الحضانة بالعنف الأسري لأن ذلك يتضارب مع غير قوانين (قوانين الأحوال الشخصية) فالعمل ليس على القانون فقط بل أيضاً على تطبيق القانون مع القضاة بحيث يكونوا شفافين ويحمون الأطفال والأسرة بكاملها. فإذا ثبت وجود ضرر على حياة الأطفال فيمكن إعطاء الحضانة للجهة غير المعنفة.

النائب شامل روكز الذي لم يؤكد تدخّل أو رفض بعض المرجعيات الدينية لتعديل القانون وهذه المادة تحديداً أشار الى أنه لن يذكر ما الذي جرى داخل المناقشات مع المرجعيات الدينية، لكن اللجنة ستعمل على إقرار تعديل يحمي بجزء كبير العائلة ويمنع تكرار حصول حوادث سابقة. وعند سؤالنا له عما إذا كان تعديل القانون سيأتي مفصلاً على قياس المرجعيات الدينية قال: "سيكون مفصلاً على قياس حقوق الناس".

بين مطرقة المشرّع وسندان السلطات السياسية والمرجعيات الدينية من المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة إقراراً لتعديل قانون "ما بيزعل السلطات الدينية" لكن هل سيحمي الأسر والنساء من العنف الأسري؟

الأيام المقبلة ستجيب عن هذا السؤال.




إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard