"استثمرْ لكن تَحقّقْ"... هل يخلخل بوتين مقاربة ماكرون-ميركل تجاهه؟

21 آب 2019 | 18:06

المصدر: "النهار"

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والروسي فلاديمير بوتين والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قبل اجتماع مجموعة دول العشرين في هامبورغ، تمّوز 2017 - "أ ف ب"

في وقت تصاب العلاقات العابرة للأطلسيّ بتصدّعات واضحة، أمكن أن يكون اللقاء الذي جمع الرئيسين الفرنسيّ إيمانويل ماكرون والروسيّ فلاديمير بوتين خطوة صغيرة على طريق تنويع الفرنسيّين والأوروبيين عموماً شبكة علاقاتهم الدوليّة. لكنّ السجال الذي دار بين الرئيسين يظهر أنّ طريق التقارب الفرنسيّ-الروسيّ ليست خالية من العقبات.

رأى بوتين أنّ ما شهدته بلاده من تظاهرات أعقبها اعتقال حوالي ثلاثة آلاف محتجّ يشبه ما حصل في فرنسا أثناء موجة "السترات الصفر". لم يكن ماكرون راضياً عن هذا التشبيه فأعلن أنّ بلاده التزمت بمعاهدات تدعو إلى احترام حرّيّة الرأي والتعبير وحقّ التجمّع.

واسترسل ماكرون في الردّ على كلام بوتين: "أقولها بوضوح أنّه في فرنسا – وهذا هو السبب في أنّ المقارنة لا تجوز – أولئك الذين تظاهروا، ترشّحوا بكلّ حرّيّة إلى الانتخابات، وأولئك الذين نطلق عليهم (تسمية) السترات الصفر شاركوا بحرّيّة في الانتخابات الأوروبّيّة وسيشاركون في الانتخابات البلديّة".


بوتين في ضيافة ماكرون، بريغانسون 19 آب 2019 - سبوتنيك عبر "أب"

اندلعت المظاهرات في روسيا عقب منع السلطات أشخاصاً مستقلّين من الترشّح إلى الانتخابات المحلّيّة المقبلة. وكان الرئيس الروسي قد أشار في معرض تشبيهه الأحداث في بلاده بتلك التي شهدتها فرنسا، إلى أنّ الاحتجاجات الفرنسيّة أدت إلى سقوط 11 قتيلاً بينما تعلن فرنسا أنّ مسنّة واحدة فقدت حياتها بسبب قنبلة مسيلة للدموع.


إشكالية

خلال بحث باريس، ومن خلفها بروكسل، مدّ جسور جديدة مع الشرق بعدما ضيّق الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مسارات التحالف معهما، يبرز ملفّ حقوق الإنسان كإشكاليّة جديدة على طريق تكوين هذه الشراكات. ومن غير الواضح مدى استعداد فرنسا للتخلّي عن هذا الموضوع كشرط لصياغة علاقات جديدة مع روسيا.

للرئيس الفرنسيّ أسلوبه الخاص في التعامل مع هذا الملفّ. سارع إلى استقبال بوتين بعد أسابيع قليلة على دخوله قصر الإليزيه فاتحاً أمامه الأبواب أمام صفحات تاريخيّة تحنّ إليها روسيا. حينها، دعا ماكرون نظيره الروسيّ لزيارة فرنسا بمناسبة مرور 300 سنة على تأسيس العلاقات بين روسيا وفرنسا خلال عهد بطرس الأكبر الذي يتمتّع بحظوة كبيرة لدى الروس ورئيسهم.


بوتين وماكرون في فرساي، أيار 2017 - "أ ف ب"

لكنّه في المقابل، شدّد حينها على أنّ موقف بلاده لم يتغيّر بالنسبة إلى الملفّات الخلافيّة بين الطرفين مثل سوريا وأوكرانيا والتدخّل في الشؤون الأوروبية. وحصل الأمر نفسه منذ يومين، من خلال إصرار ماكرون على الاستمرار في الانفتاح على بوتين وفي دفعه ولو ضمناً إلى إجراء "إصلاحات" داخليّة.


بحث ملحّ

الخيارات الفرنسيّة غير متنوّعة اليوم. فباريس لا تبحث عن توازن في علاقاتها الدوليّة إزاء الأميركيّين وحسب، بل إنّ اقتراب بريطانيا من مغادرة الاتّحاد الأوروبّي وربّما من دون اتّفاق، يجعل البحث عن هذا التوازن أكثر إلحاحاً. ف "البريكست" الصعب قد يقرّب لندن أكثر من واشنطن وقد يرخي بظلاله على ملفّات أخرى من بينها الاتّفاق النوويّ الذي قد يصبح توافق دول مجموعة الثلاث حوله أكثر هشاشة.

حتى أنّ المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل أعلنت منذ أكثر من سنتين أنّ على أوروبا عدم الاتّكال "بشكل كامل" على الولايات المتّحدة وبريطانيا داعية القارّة العجوز إلى رسم مصيرها بيدها. من هنا، يمكن فهم سبب توطيد باريس وبرلين علاقاتهما مع موسكو. توطيدٌ لا يقتصر على تبادل الزيارات بل يصل، وهذا الأهمّ، إلى تعزيز التبادل التجاريّ بين هذه الأطراف.


إخفاق؟

في 25 تمّوز الماضي، برز تقرير لافت للنظر في مجلّة "فايننشال تايمس" البريطانيّة لكبير مراسليها في موسكو هنري فوي الذي كتب أنّ الدعوات إلى رفع العقوبات عن روسيا تصدر من إيطاليا والمجر لكنّ البيانات تظهر أنّ الدول الأكثر إقامة للتبادل التجاريّ مع موسكو هما أكثر دولتين قادتا حملة الانتقادات ضدّها: ألمانيا وفرنسا. ويذكر أنّ الشركات الألمانيّة استثمرت في روسيا أكثر من 3.3 مليارات يورو السنة الماضية وهو الرقم الأعلى منذ عقد.

والعلاقات التجاريّة بين فرنسا وروسيا ارتفعت 11% السنة الماضية ووصلت إلى 17 مليار دولار، فيما تملك الشركات الفرنسيّة اليوم استثمارات بقيمة 20 مليار دولار. وشرح فوي أنّ فرنسا وألمانيا تعتمدان مقاربة "استثمر لكن تحقّق" المأخوذة نوعاً ما من مثل روسيّ حوّله الرئيس الأميركيّ الأسبق رونالد ريغان إلى "ثِق لكن تحقّق".


بوتين وماكرون على هامش قمة مجموعة العشرين في اليابان، 28 حزيران 2019 - "أ ب"

إذا كانت باريس وبرلين تعتمدان فعلاً مقاربة كهذه إزاء موسكو فالإخفاق قد لا يكون بعيداً منها. يُفترض بهذه المعادلة أن تعتمد مساراً باتّجاهين يقضي بتعزيز فرنسا وألمانيا الاستثمارات والتجارة مع روسيا مقابل اعتمادها إصلاحات حقوقيّة وفقاً لرؤية ميركل وماكرون.

لا تكمن الإشكاليّة في أنّ واحداً من مساري هذا الاتّجاه معلّق وحسب، بل أيضاً في أنّ مفهومي بوتين وماكرون للحرّيّة والأمن مختلفان إلى حدّ بعيد. من جهة ثانية، حملت مقارنة بوتين للمظاهرات الروسيّة بحركة "السترات الصفر" وتشديده على أنّه لا يريد سقوط عدد مماثل من الضحايا الروس مؤشّراً ضمنيّاً إلى "فشل" ماكرون في مواجهة الاحتجاجات.

"إطار من الأمن والثقة"

أبعد من كلّ ذلك، أكّد ماكرون خلال مؤتمره الصحافيّ مع بوتين أنّه على الرغم من جميع الخلافات، تبقى "روسيا "دولة أوروبية بشكل عميق جداً ونعتقد بأوروبا هذه التي تمتدّ من لشبونة إلى فلاديفوستوك". وأضاف: "ما أعتقده هو أنّه يجب علينا إعادة اختراع هندسة أمن وثقة بين الاتّحاد الأوروبي وروسيا".

يبيّن ماكرون إصراراً على تعبيد الطريق إلى روسيا على الرغم من الاختلافات حول الملفّات الحقوقيّة. في هذه الأثناء، ثمّة أكثر من مؤشّر يدلّ إلى وجود تحوّلات في النظرتين الفرنسيّة والألمانيّة إلى الكرملين ستتخطّى على الأرجح مسألة حقوق الإنسان في روسيا. قد يتّجه شعار "استثمر لكن تحقّق" لفقدان ركنه الثاني مع مرور الوقت... إنّما بسبب بوتين أو ماكرون وميركل؟

لوحة سمير تماري: "التحليق فوق العقبات"

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard