غنى الحلبي: عالمة الفيزياء الفلكية التي تعيد نسج قصة شهرزاد في كامبريدج

5 أيلول 2019 | 19:35

المصدر: "النهار"

غنى الحلبي.

في عام 2013 وقفت غنى الحلبي في قاعة محاضرات كبيرة في الجامعة الأميركية لتتحدث بشغف عن أحلامها الكبيرة وقصتها مع الفيزياء الفلكية، ولتلهم الجمهور بأسلوبها المحبب مع رحلة صراعاتها اليومية في أطروحة الدكتوراه التي كانت تعمل عليها آنذاك.
اليوم، وبعد عدة سنوات، أصبحت غنى عالمة فيزياء فلكية وأستاذة محاضرة في جامعة كامبريدج، تلهم آلاف النساء، وتعمل على تمكين النساء الباحثات في قطاع العلوم أو ما يُعرف اليوم بمجال STEM (العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات).

غنى، التي عملت على رسم خيوط قصتها يوماً بعد آخر، كانت تعيش في ضيعة نائية من جبل لبنان، وكانت تحلم بأن تصل يوماً إلى ما هي عليه، فعملت بجهد لتنهي دراسة الفيزياء في الجامعة اللبنانية وهي تتنقل بين ضيعتها والجامعة الواقعة في الحدث، ورغم عناء الطريق، تابعت مشوارها وانفتحت الأبواب أمامها لتكمل دراساتها العليا في الجامعة الأميركية في بيروت، ولتصبح بعد فترة وجيزة دكتورة مجازة في الفيزياء الفلكية.

غنى الحلبي.

اليوم، تعمل غنى عالمة فيزياء فلكية وأستاذة محاضرة في جامعة كامبريدج، إضافةً إلى كونها مستشارة في كلية الأعمال التابعة للجامعة حيث تعمل على تطوير برنامج ريادة أعمال لنساء مؤسِّسات ومديرات تنفيذيات. هي أيضاً مدربة ومستشارة تواصل وخطابات جماهيرية وخطيبة في الوقت عينه في العديد من المحافل الدولية.

منذ سنوات قليلة أطلقت غنى Scheherazade Speaks Science "شهرزاد تتكلم لغة العلوم" كمنصة لتسليط الضوء على قصص وخبرات النساء العاملات في مجال STEM، وذلك انطلاقاً من إيمانها أن المرأة يجب أن يكون لها صوت، ويجب أن يكون لها مكان مؤثّر في المجتمع.

وتكاد أن تكون شخصية شهرزاد في قصة ألف ليلة وليلة ملهمةً لغنى لتبدأ هذه المنصّة فتقول: "شهرزاد خُلقت لتقف بوجه المجتمع الذكوري تماماً مثلما قاتلت شهرزاد الملك في قصة ألف ليلة وليلة، ليس بالسيف، بل من خلال قصتها التي روتها بحنكة، كذلك نحن النساء اليوم، يمكننا أن نغيّر شيئاً عندما تصبح شهرزاد تتحدث بالعلوم".

تماماً كما شهرزاد في الرواية، تشعر أن غنى أمرأة قوية حرة لا تهابها الصعاب، فهي لديها التزامات ومسؤوليات تجاه أفرادٍ يعتبرونها مثلاً أعلى خاصة للفتيات اللواتي يردن أن يصبحن عالمات فيزياء فلكية. وتقول: "أريد أن أكون مدركة لكل ما أقول، فبالإضافة إلى أنني أريد أن أبقى خطيبة عامة ومفكّرة، أريد أن أحمل، بالقدر نفسه، مسؤولية كل ما أقول لأنّ لدي رسالة أؤديها".

وفي الحديث مع غنى يذهب الكلام إلى استقلالية المرأة وحسّ المسؤولية التي تَعتبر أنه ينشأ من الحرية التي تُعطى للشخص وخاصةً للمرأة، فهي مثلاً ولدت في ضيعة نائية في لبنان حيث تبعد أقرب الجامعات عنها أميالاً، لذا عندما أرادت أن تدخل الجامعة كان خيارها الوحيد هو النزوح إلى بيروت وحيدةً، كان الخيار صعباً لكن الثقة التي أعطاها إياها أهلها ولّدت لديها حسّاً بالمسؤولية تجاه دروسها وتجاه البحث عن شغفها، في وقت كان أصدقاء والدها يمنعون بناتهم من العيش وحدهن في بيروت. وانطلاقاً من ذلك، وُلد لدى غنى إيمان بأن كل امرأة يجب أن تكبر في هذا الجو، أن تتربّى الفتيات على فكرة أنهن ليست محميات أو موضوعات في وسادات لحمياتهن، بل أن تربّى على أنهن قويات ويمكنهن الوقوف على أرجلهن والعيش باستقلالية. وتقول بصوت مليء بالثقة: "أنا موقنة أنه عندما تشعر المرأة بهذه المسؤولية الكبيرة، عليها التصرف بحرية، فعندما تعطى المرأة هذه الحرية يصبح لديها تقدير لجسدها، وتقدير لفكرها وخياراتها، وتصبح خياراتها لها معنى".

كل هذه الأمور التي وُلدت في رأس غنى، وُلدت لأنها سعت دائماً من أجل تحقيق إمكاناتها القصوى أينما وجدت، وذلك لأنها مرّت بظروف صعبة، وفي كل مرّة كانت تواجه فيها ظروفاً صعبة كانت تعتبرها فرصاً لكي تخلق شيئاً جديداً وتثبت نفسها.

وفي زمن يقال فيه للمرأة في أوروبا "أنت جميلة جداً لكي تكوني عالمة" تسعى غنى إلى كسر هذه الصورة، ليس في العالم الغربي فحسب، بل في العالم العربي وفي لبنان، حيث تعمل على إرساء معرفتها وأسلوبها القصصي لتلهم أكبر عدد من النساء العربيات واللبنانيات في هذا المجال لكي يبحثن عن قصص نجاحهن، ويجدن قناعاتهن وأحلامهن، فعندما تتناسب الخيارات المهنية مع القناعات الشخصية عندها فقط ننجح في ما اخترناه ويسطع نجمنا.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard