لميا غنطوس شارلبوا... عن الغربة والحرب والكلمة

19 آب 2019 | 19:18

المصدر: "النهار"

تَصِفُ الغربة "بمعركة كبيرة لا تنتهي".



في غربتها، يعاود لميا غنطوس شارل ـ بوا الكابوس نفسه. ترى مشاهد من الحرب في لبنان: قذائف، "آر بي جي"، بنادقM16... صور العنف التي هزّت كيانها أثناء الحرب دَفَعَت بها إلى كندا، خصوصاً بعد الانفجار الذي وقع في صفّها بكليّة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت ومقتل عميد الكلية. في سنّ الـ19، كان خيارها الرحيل. اتّخذت عملاً مرحليّاً كمعلّمة في مدرستها Louise Wegmann ببشامون، استردّت ما دفعته للجامعة، ثم أنزَلَت على أبيها الخبر الصاعق: التحاقها بشقيقها للدراسة في كندا.

يوم تلقّت لميا خبر قبولها في جامعة "لافال" بَكَت ثلاث ساعات على شاطئ الـ SummerLand في بيروت؛ هي، الفتاة العاطفية التي نشأت بين المصيطبة وقريتها أميون، وكانت بطلة لبنان بالقفز العالي، تخوضُ مباريات تحت القنابل وعلى مسارات فيها حُفر خلّفتها القذائف.

بعد 34 سنة في المهجر، تروي قصّتها كاملة لـ"النهار": طفولتها، الأماكن الراسخة في ذهنها، عائلتها، الجيران، نضالها بالكلمة، بالصوت، والكتابة في سبيل الوطن الذي تحبّ. بالنسبة للخبيرة في العلاقات العامة، والمذيعة السابقة، كلّ لبناني قادر على نزع الأفكار الخاطئة المتداولة عن بلده لأنّه سفير للبنان شاء ذلك أم أبى. "حين أحاضرُ والميكروفون في يدي أشعر أنّ لديّ قدرة على التغيير. وحين يصفّق الحضور، لا يصفق للميا بل للّبنانيّة".

في مونتريال، حيث تقيم، أنشأت منذ 2003 شركتها الخاصة بالعلاقات العامة، تنشط مع الدياسبورا اللبنانية، تحفّز الجالية على التضامن في ما بينها عبر القيادة من خلال المثلleading by example وترسّخ سياسة "مواطن لمواطن". فخلقت في 2011 مجموعة“Libanais de Montréal – Sirop d’arabe”  في فايسيوك التي تضمّ اليوم 3800 منتسب، لتكون مساحة "غير طائفية، غير سياسية، غير تجارية" يتواصل ويتساعد عبرها اللبنانيون. "لا أحد يصل إلى هنا إلّا ويدخل المجموعة. ما إن يسأل الشخصُ عن مدرسة أو منقوشة، حتى يأتيه الجواب في الدقيقة نفسها من عشرين شخصاً... لقد نجحنا نجاحاً كبيراً وأنا فخورة به". والدياسبورا مهمّة للميا، تفيدها معنويّاً في ظلّ حنينها إلى الوطن.


كتاباتها في مواقع التواصل الاجتماعي تؤثّر بالعديدين، فيتمّ مشاركتها. "إنّ أجمل ما يقوله الناس هو أنني أكتب ما يفكرون أو يشعرون به فتصبح ريشتي ذاكرة جماعية". خلال مسيرتها ألّفَت كُتُباً، أطلقت أوّلها "ذكريات سنجاب" من لبنان. أمّا اليوم فتعمل على كتاب جديد سيصدر في نيسان 2020 محوره مقابلات مع رجال شاركوا في الحرب؛ "كنت في الملاجئ وهم في الطرقات، وأريد أن أرى ما كانوا يشاهدون". تضيفُ: "أدافع عن بلدي بالقلم".

خَسِرَت بلدها بسبب الحرب

تسعى لميا جاهدةً لتكثيف زياراتها إلى وطنها الأمّ، وتخصّه بثلاث رحلات في العام الواحد. تقوم بحلقات تدريب في القيادة والتواصل، وأتَمَّت 15 منها، فالتقت وجوهاً لبنانيّة في عدّة مناطق بالتعاون مع مؤسسة مي شدياق، أجندا بيروت، طوني أبو غزالة، ليو بورنيت، ليبانيز ليغ، سمير زحيّل ووايدنر كوتشز.

للشباب اللبناني حصّة في مقابلاتها. توجّه لهم رسالة: "ابرعوا حيث أنتم، لا تنسوا أصلكم وساعدوا غيركم". تؤدّي محاضرات حول "البقاء أو الرحيل" لطلاب الصفوف الثانوية الذين يحلمون بالهجرة ويلاقون تشجيع أهلهم. تنبّههم من نمط الحياة في الخارج الذي يختلف عن الرفاهية التي اعتادوا عليها في لبنان "فكلّ مدينة لديها مزاياها".

منذ فترة، كَتَبَت نصاً وختمته بعبارة "سوف أعود". تقول لنا، "آمل أن أعود إلى لبنان، أعمل فيه، أنشئ شركة فأشعر أنني مفيدة لوطني". ارتباطها ببلدها عميق وراسخ. مناضلة من أجل حقوق المرأة، تقدّر على الساحة المحليّة الوزيرتين مي شدياق وريّا الحسن، وترغب أن يكون لابنتها حبّ وانتماء للبنان كالذي تكنّه لكندا. ربّت ابنتها "ليلى" – التي قصدت أن تعطيها اسماً لبنانيّاً – على قيم كندية ولبنانيّة جوهرية، وتتمنى لو تمكّنت من إعطائها اسم عائلتها "غنطوس"؛ لكنّ القانون واضح: لا يحقّ للأمّ اللبنانية نقل جنسيتها لأولادها. تشرك ابنتها باعتصامات فنرى ليلى في إحدى الصور رافعة العلم اللبناني. منذ 20 عاماً تصطحبها معها سنويّاً إلى بيروت وتتطلّع لشراء بيت لها هنا. تطلبُ منها بإلحاح "وعديني تاخدي ولادك عَ لبنان".

معارك من نوع آخر

لميا القويّة خاضت في سنين هجرتها معارك وحروباً من نوعٍ آخر. فهي أنجبت طفلاً ميّتاً، طلّقت، ربّت ابنتها بمفردها. تَصِفُ الغربة "بمعركة كبيرة لا تنتهي"، فيها قساوة الوحدة: يدخل الفرد المستشفى ولا أحد يزوره لقلّة الوقت وضعف العلاقات الاجتماعية؛ يزيل الثلج عن سيارته دون مساعدة أحد؛ إذا مرَّ رجلٌ لا تُفَكّري أنه سَيُساعِدُكِ".

لكنّ الحرب في لبنان علّمتها أن تكون قويّة وتتمتّع بقدرة على الفرح والكفاح. "لم أكن قادرة على عيش كلّ هذه الحروب لوحدي لو لم أرَ كيف كان أهلي يتصرّفون في الحرب".

لميا ممتنّة وشاكرة: "في لبنان غنًى إنساني وتربوي؛ ولولا تعلّمي فيه لما نجحت في كندا". والغربة قدّمت لها الكثير. كندا أعطتها العلم والعمل والاستقرار، وساعدتها على اكتشاف قدراتها ومعرفة ذاتها.

مسيرة متقلّبة

خلال دراستها التواصل، السينما، والعلاقات العامة، ومتابعتها صفوف المسرح، الجودو والباليه-جاز في جامعة "لافال- كيبيك"، كان للميا 4 أعمال جزئية، بينها مستشارة الإقامة في مساكن الطلاب، تعيلُ المحبطين، تهتم بشؤون لوجيستية... درَّست أيضاً اللغة العربية، كَتَبَت نصوصاً للراديو ولمحاضرات. تخرّجت وكانت الحرب مستمرّة في لبنان، فانتقلت إلى مونتريال حيث عملت في قسم التسويق في شركة نسخ وطباعة. تنقّلت كثيراً بين الشركات الكبرى وتوظّفت في مصلحة سكك الحديد. ثمّ سَكَنَت في تورونتو ودخلت شركة للعلاقات العامة وخدمت أربع سنوات كمذيعة، تُخبرُ مازحة "اتّصَلتُ بمديرة مدرستي لأطمئنها أنّ ثرثرتي في سنين الدراسة أصبحت مهنتي". في أوتاوا عملت في الصحافة المكتوبة ثمّ عادت للاستقرار في مونتريال حيث أطلقت عملها الخاص.

صور طفولتها الجميلة حيّة في ذاكرتها

تمتّعت لميا في صغرها بحياة المدينة والقرية. في عطلة آخر الاسبوع، الصيف، عيد الميلاد وعيد الفصح، كانت تقصد "الضيعة" مع عائلتها؛ تتسلّق الشجر والجبل، تقطف التين، المشمش والعنب. وعند حصاد الزيتون، كانت تجمع الغلّة مع العمّال، فتنتعل الجزمة التي أصبحت تنتعلها أثناء الثلج في كندا... تلعب "سبع حجار"، تنتظر مرور بيّاع الذرة والبوظة، تستقلّ الدابّة وتسهر في الحديقة مع الجدة والأعمام. في سنّ العاشرة، كانت تشتري الخُضر لأمها بأمان، تحمل كاسة زعتر لتُحضّر المناقيش، وتعود إلى البيت متسلّقة الدرج بدل المصعد. "كلّ طفولتي كانت إيجابية حتى في الحرب. قِيَمُنا اللبنانية عديدة رائعة. نتمتّع بعاطفة، حنّية، وحسن معاملة أولادنا والجيران... أردّد هذا للبنانيين الذين يعتقدون أنّ بلدهم سيّئ".

تكنّ لميا غنطوس- شارلبوا حبّاً واحتراماً لدولتين كندا ولبنان، وحنيناً عميقاً لوطنها الأمّ الذي يشبه حالها. كَتَبَت: "رأيتُ بلداً مجروحاً ولكن واقف، شعباً متعباً ولكن سعيد، جوّاً ملوّثاً ولكن مليء بالحبّ... لبنان صامد، لا يجوز التخلي عنه، بل الإيمان به والعودة إليه. سوف أعود".

الى محبّي التارت... تارت الفراولة والشوكولا بمقادير نباتية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard