المفقود من كتاب العزلة

13 آب 2019 | 17:28

العزلة (تعبيرية- لوحة لضياء العزاوي).

-1-

أشخاص لم تعطهم الحياة ما يريدونه، ولم تمنحهم حتى فقاعة حلم صغير، بل على العكس، ابتلتهم بالأمراض والحروب والظلم المتكرر، لكنهم يستمرون بالعطاء والمحبة وكأن شيئاً لم يكن. لا يشكون ولا يتذمرون، رغم قسوة هذا العالم المتوحش الذي يجلدهم بسياطه حدّ السقوط والانهيار. يغنّون مثل وردة من قسوة الريح، متناغمين مع إيقاع خفيّ في الكون، ومع سحر غامض يجعل الحب مشعاً ومتوهجاً من أرواحهم البيضاء.

في كل مرة يسقطون ثم ينهضون. يسقطون ثم ينهضون. يسقطون ثم لا ينهضون أبداً.

يعيشون بصمت وعزلة دون أن ينتبه إليهم أحد أو يضعهم ضمن دائرة اهتمامه ويومياته،

ثم يرحلون بهدوء تام بلا ضجيج ولا صخب ولا ألقاب كبيرة، وكأنهم لم يكونوا أبداً،

ولم يُقذفوا إلى هذا العالم البائس. أيها الغارقون في وحل البؤس، كم عميقة هذه السعادة التي تشعرون بها، وأنتم تتوحدون مع ذواتكم الحقيقية بلا أقنعة ولا رغبات ولا تملك.

فسلاماً لكم يا أيها الأنبياء الصامتون، عندما مررتم يوماً بهذا العالم ولم ينتبه أحد لظلالكم الغريبة.

سلاماً لدموعكم وهي تنزف مثل ضوء شاحب في عمق الظلام،

سلاماً لكم وأنتم تمرّون كل يوم بدموعي من نافذة الحلم البعيدة.

-2-

مقولة الفيلسوف اليوناني هيراقليطس "لا تستطيع أن تنزل في نفس النهر مرتين" ما زالت حاضرة ومتجددة في كل زمان ومكان. الأمكنة التي نغادرها ونعود إليها بعد فترة، يمكننا أن نلحظ التغيير والتحوّل الكبير الذي أصابها، والتغير الذي أصابنا نحن أيضاً في نظرتنا للأمكنة والأشياء من حولنا، لكن في حال تواجدنا الدائم في المكان نفسه يصعب علينا ملاحظة ومتابعة التغيرات والتحولات البطيئة التي تصيب الأمكنة والأشياء، إنما في زمان خارج مكاننا يصبح هذا التحول سريعاً ومرئياً في حال عودتنا للمكان نفسه.

الأشياء التي كانت تسعدنا أمست باهتة ومنفّرة، والأشياء التي كانت تبكينا تمرّ مسرعة ولا تقيم في الأعماق.

يصبح الزمن سلاحاً فتاكاً عندما نؤمن به ونحتفي بأوهامه اليومية،

يلتهمنا الزمن رويداً رويداً ببطء مرعب، ونحن نهرول مسرعين من وحش الماضي إلى قلق المستقبل. ومن قلق المستقبل إلى ظلام النهاية.

الإنسان مريض بالزمن وليس عبداً له.

-3-

منذ وعيت على هذه الدنيا، وأنا أرى الشر ينتصر دائماً. لم يستطع أي شيء إقناعي ومن ضمنها الفلسفة المثالية والغنوصية والعقائد السرية، أن دولة الخير والعدالة أقيمت ولو لمرة واحدة في التاريخ البشري. الأنبياء والشعراء والفلاسفة كانوا دائماً هم الخاسرون بين أقوامهم أو المطرودون خارج القطيع. ربما يكمن الخطأ في نظرتنا وإدراكنا الحسيّ لجوهر الخير أو الشرّ، أو أن هناك ديالكتيكا معقداً يجب أن يستوفي شروطه المادية والمثالية لكي تتمخض الولادة الناصعة للفردوس الموعود، أو الانسان المتفوق حسب المفهوم النيتشوي، لكن ما أعرفه الآن أن الشرّ هو الذي ينتصر دائماً ويربح جولات متتالية ويمضي إلى مديات بعيدة، وبعيدة جداً بدون مقاومة من أي فكرة أخرى.

- 4 -

حتماً سينتصر الزمن على الإنسان، وفي خريف العمر ستتقاذفنا الأسئلة الموجعة: هل حقاً كنا محض أكذوبة كبرى؟ في خريف العمر سنجلس إلى طاولة من الخمر والذكريات والأوهام، سنثرثر كثيراً، ونضحك كثيراً، لكن قبيل النوم سنبكي سرّاً مع أنفسنا، سنبكي كالأطفال على كل الأشياء الضائعة، الأشياء الحقيقية التي هربت منا عندما قررنا أن نصبح أشياء كبيرة في هذا العالم.

-5-

الأحلام تخلصني من عبودية الذاكرة والأشياء، والكتابة تحررني من الخوف القديم الذي رافقني منذ الطفولة. هناك نقص كبير دائماً يدفعني إلى الكتابة، أكتب وكأنني أوجه صفعة كبيرة لهذا العالم. خسائر الحياة الفادحة وهزائمها المتكررة تحمل نقيضها الجوهري دائماً، وهي أن نخرج منتصرين ومتوهجين من ظلمة الأعماق المرعبة.

الكتابة هي الحاضر الخفيّ بكامل غيابه

هي اللامرئيّ في المرئيّ،

الكتابة انتصار للعالم في عزلته

انتصار دائم على الوهم والزمن.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard