تراث وفنّ معماري- جامع البرطاسي: مملوكي مطعّم بمميزات فاطمية وبيزنطية ومغاربية

13 آب 2019 | 17:39

المصدر: "النهار"

المحراب والمنبر في جامع البرطاسي في طرابلس.

يُجمع مختلف المتخصصين بالشأن المعماري والأثري على أنّ مسجد البرطاسي هو أكثر مساجد #طرابلس اللبنانية جمالاً، ويحتوي على العديد من العناصر المعمارية المماليكية. فمن حجارته البلقاء في أكثر من ركن فيه، إلى بوابته ومقرنصاتها، فالمئذنة التي تشكل تحدياً معمارياً يرتكز على عتبة الباب، إلى المحراب الأجمل، والأغنى تجويفا، فقبة الجامع الداخلية العالية المكونة من أكثر من مرحلة، ومستوى، وما يحف بها من فتحات ونوافذ إنارة وتهوئة، كما أنّ النمط الهندسي للجامع هو خليط من الفاطمي، والبيزنطي، والمغاربي، وهذه كلها تعتبر بعضاً مما يمكن التوقف عنده في تعداد ميزات هذا الجامع.

واجه الجامع عاديات الدهر في مختلف مراحله، ونجا في العصر الحديث من فيضان النهر الملاصق له سنة 1955، كما نجا من التخطيط المدني الذي صمّم لتلافي وتجاوز نتائج الفيضان، بتوسيع مجرى النهر، وجعله مستقيماً، مما كان يفترض إزالة المسجد في سبيل إنجاح مشروع النهر. لكن ثمة وعي لدى معنيين في المدينة، وفي السلطة اللبنانية في تلك الآونة، فرض تعديل التخطيط بطريقة يتجنب فيها المساس بالجامع، فوسّع مجرى النهر، فبقي الجامع الجميل مناهضاً لعاتيات الدهر، يستقطب الكثير من الرواد الذين يفضلون الصلاة فيه نظرا لهندسته المتضمنة الكثير من عناصر الخشوع، ولما يكتنزه من جمالات تريح المصلين.

عند المحلة المعروفة بباب الحديد، يقوم المسجد. والمحلة أسميت نسبة إلى إحدى بوابات المدينة القديمة التي عرفت بباب الحديد، تقع شمال القلعة، وعلى بعد قليل منها.

أحمد العلي من الأشخاص المقيمين على مقربة من المسجد منذ صغره، يصف المحلة قبل الفيضان، ووجود البيمارستان، و"فسحة تقف فيها الجياد المخصصة للنقل يوم لم تكن السيارات متوافرة".

العلي الثمانيني يتذكر الطوفان ومشاهدته له من منزله الواقع على ارتفاع أعلى من مجرى النهر بحيث لم يصله الطوفان، وقال إنّ "السيول دخلت المسجد بارتفاع المترين، وغطت مدخله حتى منتصفه. ويتذكر شدة الهطولات التي تساقطت في حينه، ذاكراً أنّ "الفيضان عطل إمكانية الصلاة في المسجد، وبقي مقفلاً لسنوات إلى أن تولّت مديرية الآثار تنظيفه وإعادته لوضعه السابق".

يلجّ الزائر دارة الجامع من بوابة حديد، تطالعه أولاً لوحة تشير إلى تسميته كمدرسة على الطريقة الشافعية. تفيد اللوحة بأنه "بنى المدرسة الأمير شرف الدين عيسى بن عمر البرطاسي الكردي الذي توفي سنة 725 هجرية، لتعليم الطلبة على المذهب الشافعي".

وتذكر اللوحة أنّ المدرسة تحولت إلى مسجد لاحقاً، وتقوم اللوحة على جانب سلم رخام يظهر منه الجامع وقببه ومئذنته. ومن بابه الرئيسي يمكن الولوج إلى داخل المسجد عبر ممر ضيق متعرّج، لينفتح على فسحة واسعة يطل منها المحراب، ودرج المنبر الخشبي المزركش، ويتوسط الفسحة بركة وضوء تشبه فتحتها شكل الوردة النادر.

تعلو الفسحة قبّة عالية ترتكز على أعمدة ضخمة فيها مقرنصات، ونوافذ وفتحات ملونة، أما جدرانه، فقد لحقتها أضرار مثل العديد من المساجد وهي قلش طبقة الطين عن حجارته.

يطلق العامة على المسجد تسمية البرطاسية مما يؤكد دوره الأول كمدرسة، سمّي بهذا الاسم نسبة الى مؤسسه ابن البرطاسي المتوفى سنة 725 هجرية، ووصفته بعض المراجع بأنّه "كان رجلاً جيداً، شهماً، شجاعاً، مقداماً، حسن المرافقة".

وصف الجامع

يعتبر المؤرخ الطرابلسي الدكتور عمر تدمري أنّ الجامع هو "من أجمل مساجد المماليك في طرابلس، ومئذنته تقوم فوق عقد الباب، ويقوم على جانبي مدخل البوابة مصطبتان"، وهي عناصر معمارية متوافرة في أكثر من مسجد أو مدرسة مملوكية.

بنيت واجهة البوابة بحجارة داكنة اللون، يتخلّلها شريطان من الحجارة السوداء، وعند وسط الباب، وفوق عتبة الباب مباشرة وضعت بلاطة بها زخرفة تشبه رأس السنجق، منها اثنتان باللون الاسود، تتوسطهما زخرفة بالحجارة البيضاء. وفي نفس البلاطة نقش مربعان هندسيان يتضمنان كتابة كوفية متداخلة بشكل هندسي، الأول إلى اليمين وكتب: محمد – محمد- محمد- محمد

والثاني إلى اليسار ونقش: علي- علي- علي- علي

وبين هذين المربعين نقش مكعبان ضمنهما كتابة اخرى غير واضحة. وفوق هذه الزخرفة يوجد شريط من الكتابة التاريخية لوقفية الجامع التي تبدأ من واجهة البوابة اليمنى الخارجية ثم الجدار الغربي المجوف من الباب. ثم واجهة الباب في القطاع المجوف. ثم الجدار الشرقي المجوف من الباب. وتنتهي الكتابة عند هذا الحدّ من دون أن تمتد الى الواجهة اليسرى.

يتألّف حرم الجامع من بلاط مربع الشكل، يقوم في وسطه حوض الماء الرخامي للوضوء، ويرتفع بيت الصلاة، وهو من البلاط، بنحو 60 سم.

ويعتبر تدمري أنّ "محراب الجامع أروع محاريب المساجد المماليكية، ليس في طرابلس فحسب بل في لبنان، اذ تزدان قنطرته العليا بلوحة نباتية من الفسيفساء ذات اللون الفيروزي على ارضية مذهبة".

إلى يمين المحراب منبر خشبي مزخرف بالتقاطيع الهندسية، وتزين الجدار القبلي للجامع خطوط متناسقة وهندسية من الرخام الملون (الابيض، الاسود، الفيروزي، والاصفر).

من روائع المسجد قببه الثلاثية، التي تبدو من الخارج كتناغم بين الكبير والصغير، متقاربة بطريقة تعطي رونقاً جميلاً ومتناسقاً لمنظر الجامع من الأعلى، ومن الداخل "ترتفع القبة الكبرى فوق حوض الوضوء، ويذكر تدمري أنّها "ترتكز على عضاضتين فوق ركني بيت الصلاة عند زاويتي البلاط القبليتين، وفي زواياها جوفات مثلثة ومقرنصات".

مئذنة الجامع

يقارن تدمري بين مئذنة البرطاسي ومآذن الأندلس، أو المغرب العربي، ويذكر أنّ "مهندس هذه المئذنة اندلسي الأصل، هاجر إلى طرابلس، وساهم في بناء آثارها، وسجّل أصله الاندلسي المغربي على زخرفة العقدين التوأمين المنكسرين عند رأسيهما، تنفتح تحتهما نافذتان مستطيلتان، يفصل بينهما عمود داكن اللون".

وبنظرة إلى المئذنة، تبدو نافذتان أخريان فوق هاتين النافذتين، ترتكز قنطرتهما على عمود مركزي، وفوق هاتين النافذتين مباشرة مقرنصات، ويلحظ تدمري "قاعدة برج المئذنة المشرف إلى الخارج، ورقبة المئذنة سداسية الاضلاع، ثم طابق أقل ارتفاعاً وحجماً، ويعلوه طربوش مخروطي منخفض بأضلاع سداسية".

وفي مكان آخر، يتحدث تدمري في تقويم أكثر حداثة عن البناء، وهندسته، وخصوصاً عن المئذنة، ويقول: "بناء المسجد مكتمل، يعبر بقوة وبوضوح عن براعة الهندسة الإسلامية، وفنها، وعلى سبيل المثال، مئذنة هذا المسجد التي تقف مباشرة على ممر من البوابة الخارجية".

ويضيف أنّه "نادراً ما يعتمد نظام بناء كهذا لمئذنة ضخمة، فارتفاع برج المئذنة يحتاج إلى قاعدة واسعة، ثابتة وقوية تستطيع أن تحملها. لذلك، فبناء المئذنة مباشرة على قبة، أو قوس بوابة، يبدو وكأنه تحدِّ من المهندس المعماري المسلم، وقدرته على تملك قوانين الهندسة المعمارية".

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard