هبة وإخوانها

10 آب 2019 | 11:00

المصدر: "النهار"

الأجنحة والأحلام (تعبيرية).

طار خبر المحرقة ولم تلبث أم سفيان أن نبتت لها أجنحة ضخمة ستحملها إلى حيث الحريق قبل أن يستبد ويستتب. ستـُنقذ أتراب سفيان ورفاق سفيان في الحافلة، لاغية احتراق سفيان. لن تُتلِفَ النار لحمَهم الغض وعظامَهم الطرية. أما سفيان. فهيهات أن تدعَ اللهيبَ يحاذي ولدَها الوحيد. الطفل في حالة الخطر ولدٌ واحد ووحيد، ولو من بين ألف ولد. وكل ولد في الوطن وحيد فريد غالٍ ونفيس. سفيان وهبة وهيتم وابراهيم واسماعيل وزليخة ويوسف ويونس وإلياس والآخرون. وكل من حضر وقتَ السفر، ويا ليته ما حضر ولن يشكوَ فوات الحافلة!

ظنت أم سفيان نفسها الوحيدة التي نبتت لها أجنحة. أقلعت من أعالي البيت صوبَ المحرقة فلقيت في الطريقِ الطيَّار كلَّ الأمهات قد صِرنَ ذواتِ أجنحة مثنى وثلاث ورباع يسْتبقـْنَ المكان. يزيد عدد أجنحتهن على حسب الرعب والجزع. استبشرن بلقاء بعضهن. إذا عمت هانت. وهل يهون خطب كهذا وهل يُؤلف الهوان؟

تجمعن مثل سِرب حمامٍ زاجل يشم رائحة المكان، ويمسحُ طوله وعرضَه ويحدد وجهته ببوصلة في ناصيته الصغيرة. ثم انطلقن. السباق سيحرق المسافات. الدخان في الأفق سيدُلهم على المكان كشِفرة نار بين هنود حمر تستبق الخطر الأبيض، أو كنيران مَغرب تبلغ المشرق عند حلول شهر الصيام. الأمهات ذواتُ الأجنحة على صيامهن. لن يُفطِرن إلا هناك، على لذة إغاثة الأبناء ونشوتها.

سيصلن المكانَ ويحلقن حوله، وبأجنحتهن الضخمة سيُخمدن الحريق الذي لن يتمَّ لهُ أمر ولن تنفُذَ نيته القاتلة. سيعاجلنَه بمَراوح من ريش ضَخْمِ القوادِم. سيُعتقن مَن هناك من النار. الأطفال عتقاء. لن يموت أحدهم محروقا. لن يُؤذى أحد. النارُ بالكَادِ ستكون قد أحرقت بقايا النعاس في الجفون الغضة الطرية، أو أحرقت أطراف الثياب، أو بعضَ أمتعة، أو بعض أوراق، أو أثارت بعضا من رعب طفولي وصراخ.. وفقط!

وإن يكنْ حِمامُ الموتُ قابَ قوسين، فإنه عند رؤية حَمام الأمومة العملاق الرفراف سيعود أدراجَه وينصرف من حيث أتى. الكل بخير. حتى من أوذي ستكون أقصى أذِيته آثارُ وَكْتِ النار على الجلد، سيضع عليها قرصا من معجون أسنان بالفليور فور العودة إلى البيت على جناح أمه، فإذا هي قد برَدت. 

في الطريق وأثناء تحليقِهنَّ لقين المروحيات المرصودةِ للطوارئ كما قال الناطقون. لقد هبت هي كذلك من كل صوب وحدب. أطل الربابنة من قمْرَات القيادة وصاروا يعاتبون الأمهات ذوات الأجنحة على انزعاجهن من مضاجعهن دون استغراب شكلهن. الهبَّة الانسانية أنست العادة ونقضَتْها. لا مستحيل عند الخطر الداهم.. هلا بقين في بيوتهن يهيئن لمن سيأتي ولمن بقي وجبة الإفطار. المروحيات أوْلى بالإغاثة. ستحمل بردا وسلاما لسفيان وهبة وهيتم وإبرهيم واسماعيل ويوسف وزليخة ويونس وإلياس وأترابهم وأصدقاء الركب المسافرين الواثقين ثقة تامة في الحافلة والسائق ومساعد السائق والطريق والرفيق، وحتى في بريق الشاحنة الآتية على عجل. لن تصدمهم. ستتوقف في آخر لحظة، إنها ليست في وضع مخالفة ولا تحمل بنزينا ولا محروقات مُهَرَّبَة، وأصحابها ليسوا أشرارا، إنهم مواطنون، والمواطنون جسد واحد له جلد واحد يهتز لأدنى لهيب.. لكن الأمهات لم يعبأن بعتاب الربابنة. أتممن الطيران. من يملك أن يصْرِفَ أمًّا عن إغاثة بضْعَةٍ منها. يجوز لو لم تكن الاستطاعة. أما وقد ساعدتها أجنحة لم تدْرِ أصلا أنها كامنة فيها، وأنها تظهر عند حالات الخطر الداهم وتكبَر تبعا لحجم الخوف فلا.. لا عودة إلى البيت رغم وجود قوات الإغاثة والمطافئ. ليهب الكل هبة أم واحدة. الوطن أم. الوطن هبةٌ للجميع والطفولة الغضة الطرية ثمينة. الطفولة غالية نفيسة على شغبها وشقاوتها ومشاكساتها. لن تحرقها النار. لن يدخل النارَ طفلٌ صغير. النار يدخلها الكبار ممن أجرموا وأصروا واستكبروا استكباراً. 

كانت قلوب تلك الطيور البشرية قلوبَ طير رغم الأجنحة القوية السريعة. كانت تنبض في فراغ حين وصلت المكان ولم تصل. مكثت غير بعيد تبحث عن نبأ يقين. أين موقع الحادث؟ أين الحافلة؟ أين الشاحنة؟ أين الركب؟ لا يبدو شيء في الأفق. كأن بينهم شباك حديد شفاف يوقف السير. حتى الطريق المعبدة لم تعد تظهر بالعين المجردة. لحقت الأجساد بالقلوب المعلقة هناك. هل ضلوا الطريق أم الطريق أضلتهُم؟ لكن المروحيات لها بوصلة ورادار ولوحة قيادة خارقة. لئن اجتمعت الأمهات على ضلال الطريق ولم تسعف إحداهن الأخرى بفعل الرعب والذهول، فكيف بالمروحيات تضل هي كذلك الطريق وتبدو أطقمها حائرة عاجزة يائسة، تحلق ذات اليمين ثم ذات الشمال ولا تعود بشيء. الكل ضل الطريق.. أين هم؟ أين نحن؟ أين الدخان؟ أين معجم البلدان.

على مد البصر كثبانٌ من رمال لا تبدو معها أثَارَةٌ مِنْ حياة. لقد زحف الرمل. زحفت الصحراء. وهل يجوز. بين فجرٍ وضُحىً. ما سرعة الكثبان؟ وهل تتحرك دون رياح بادية للعيان؟

تصرم اليوم زالت الشمس ولا خبر ولا أثر لحافلة ولا شاحنة ولا أطفال. تلاشوا. ربما لم يقع شيء أصلا. كانت دعابةً ممجوجة من كابوس كاذب. أو صادق. سيانِ كذبُ الكوابيس وصدقُها ما دامت لم تتعد نومة عصر رديئة. يكفي التعوذ من شرها عند الإفاقة. ستُقيَّد ضد مجهول، أو في ذمة القضاء والقدر. لم يقع شيء. لا يقع شيء هنا أبدا. مجانا تنزعج الأمهات.. الأجنحة شبَّت وشابَت عبثا، وغِيضَ الماء وخبت النار وزحفت الرمال لتئد وأدا محمودا ما تبقى من أجساد صغيرة متفحمة كيلا لا تهتز السماء.. أما هاته الأرض فما عادت تهتز لشيء.

كيف نحضر صلصات مكسيكية شهية للـNachos بخطوات سهلة؟

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard