الخوف على البلد

7 آب 2019 | 17:09

العلم اللبناني وسط تراكم الأزمات (تعبيرية- أ ف ب).

"أكبر خيانة لهذا البلد هي أن أتوقف عن رفع الصوت أو الكف عن ملاحقة المجرمين في قضيتي. إنّ المجرمين طلقاء الآن وألف ضحية منا أمامهم".

هذه واحدة من صرخات الممثل المبدع زياد عيتاني، الذي له على الدولة "109 أيام حبس" تعرض خلالها لتهمة العمالة للعدو وتشويه السمعة ومحاولة التحطيم المعنوي فضلاً عن التعذيب والانتهاك الجسدي، وعندما خرج بريئاً وانفضح الظلم والظالمين، كان عليه أن ينتظر 7 أشهر كي يستمع القاضي إلى أقواله في الشكوى المقدمة منه ضد المقدم سوزان الحاج والمقرصن إيلي غبش وعناصر من جهاز أمن الدولة بجرم "تأليف عصابة أشرار"!

بعد العام 2005 ونجاح "انتفاضة الاستقلال" في هزِّ النظامين الأمنيين في دمشق وبيروت، كثيرون توقعوا مساراً آخراً، لنكتشف أن حكم البلد بالحديد والنار وتركيب الملفات الذي كان، عاد بأوجه جديدة، وبأنّ مقدرات البلد ما زالت تُدار من الخارج أو لخدمة الخارج... والخطير في الموضوع هو صمت كل الطبقة السياسية وكأن الأمر لا يعنيهم، هم تحاصصوا البلد، فما عادت قضية الحرية التي عانوا منها جميعهم، اغتيالاً وسجناً ونفياً وقمعاً لناخبيهم، صارت قضية لا تعنيهم طالما هي تطال من ينتقد سلوكهم المساوم.

مرعب مشهد الأسابيع الماضية لجهة ما شهده البلد من تضييق على حرية التعبير، على الفنون والمسرح وتوج بالمنع القسري لحفل "مشروع ليلى" في جبيل. القضاء لم يجد شيئاً في العمل فأكد إجازته، لكن منفلتين من دعاة "محاكم التفتيش"، من مطارنة ورهبان ومواطنين تحولوا "كلوكس كلان" لبنان، تولوا مهمة القمع ولم تتحرك الجهات الرسمية المعنية لتوفير الحماية للناس والفرقة الفنية، فكان ما كان من صورة بغيضة يجهدون لأن تصبح صورة البلد!

هذا المشهد الفاضح ليس معزولاً، فهو التعبير الصادق عن استثمار القوى السياسية في التحريض الطائفي والمذهبي، وهو الوجه الآخر لحملات مكتب"مكافحة الجرائم المعلوماتية"، الذي يعتبر كل "بوست" جريمة محتملة، ظنّ كثيرون أنه بعد الجريمة الموصوفة التي تعرض لها زياد عيتاني لا بد وأن تكون الجهات المسؤولة، مسؤولة، عن القيام بخطوات فيها الحد الأدنى لوقف التضييق على الحريات، خصوصاً وأن دور هذه الجهة غير مبتوت عالمياً ويتعارض مع الشرعة العالمية لحقوق الانسان، ورغم ذلك تكثف استدعاء الناشطين حيث يكفي توجيه الاتهام كلما عبّر أحدهم عن وجعه بوضع "بوست" على وسائل التواصل الاجتماعي..

إنهم على عينك يا تاجر، بتجرؤ صفيق، يواصلون مد اليد على الحريات قدس أقداس لبنان، لأن في ذلك مدخلاً للتضييق على أي مساحة لنشؤ معارضة سياسية للوضع القائم، حيث لا يخجلون من تفقير الشعب وتجويعه، واغتصاب الدستور واستتباع البلد للخارج، وترهيب الأحرار بتوجيه التهم العشوائية لهم، والأنكى من كل ذلك هذا المنحى لتسييس القضاء ليكون في خدمة أهدافهم الخسيسة، والأمثلة لا تحصى وآخرها ما يجري على خلفية أحداث قبر شمون.

نعم المشهد مخيف أن يكون التعبير جريمة والسجن مصير صاحب الرأي، فبعض الساسة يريدون لنا نحن اللمواطنين أن نفكر برأسهم وليس برؤوسنا، ولا يريدون أن نعبر عن مصالحنا ورؤيتنا لمصالح بلدنا. إن الطريق الوحيد لمواجهة الكارثة الزاحفة، هي في توعية الناس بما يحصل ورفع الصوت عالياً والتعبير بحرية عما يدور في أذهان المواطنين، فالدفاع عن الحريات العامة والدفاع عن الإبداع والفنون وحرية التعبير هو دفاع عن هويتنا الوطنية.

إن حرية الكلمة هي التي تجعل منا مواطنين لا رعايا، وفي هذه المعركة نستلهم كمواطنين محطات انتصرت فيها "العين على المخرز"، واستعادة المواطنة التي بدأنا نفتقدها، هي مواجهة طويلة سلاحنا فيها التمسك بهويتنا الوطنية القائمة على التعددية واحترام الرأي الآخر لإخراج البلد من زواريب الطائفية والمذهبية إلى رحاب القانون والدولة المدنية.  

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard