قمع ومنع وقطع... أين بلد الحريات؟

5 آب 2019 | 17:07

من التظاهرة الرافضة للقمع في وسط بيروت (أب).

فوجئ كثر بإعلان لجنة مهرجانات جبيل إلغاء حفلة #مشروع_ليلى منعاً "لإراقة الدم"، كأن البعض ما زال يصدّق مقولة "لبنان بلد الحريات" أو يصدّق ما كُتب في مقدمة الدستور على أنه وطن حرّ أو أنه جمهورية ديموقراطية تقوم على الحريات العامة...، فيما البعض الآخر ما زال يصدّق المادة 13 منه التي تشدّد على حرية الرأي وحرية الاجتماع وغيرها من الحريات التي من المفترض أن يكفلها القانون ويحميها، ولكن للأسف يتأكد المواطن العادي يوماً بعد يوم أنها حبر على ورق!

في وقت تساهم الإنتاجات الثقافية من كتب وموسيقى ومسرح في تطوّر وعي المجتمعات، إلا أن ما يتطوّر في لبنان هو أساليب المنع والرقابة التي تتأرجح بين مجتمع يرفض أي عمل ثقافي لا يتناسب أو يتوافق مع نظرته، وبين قوانين وأعراف بالية قديمة لا تأخذ في الاعتبار القيمة الثقافية للعمل الفني. فالرقابة على الأعمال الفنية ليست جديدة، وتفوّقت السياسة والطائفية على الثقافة في لبنان حيث باتت هي الحسيب والرقيب. وللأسف توصيات لجنة الرقابة على الأفلام مثلاً هي صاحبة القرار بعرض أي فيلم أو منعه، أو حتى تطالب بحذف أو قطع مشاهد منه، وتالياً تتدخّل في المحتوى الفني أو الثقافي من دون أن تملك الخلفية الثقافية لتكون الحَكَم، بل وتذهب أبعد من ذلك، وترسل الفيلم ذا المحتوى الديني إلى المرجعيات الدينية مثل دار الفتوى أو المجلس الكاثوليكي للإعلام "للاستئناس برأيه"، علماً أن هذا عرفٌ وليس قانوناً، حيث لا يوجد بند أو قانون يتحدث عن ضرورة أخذ الأمن العام أو أي لجنة تابعة له برأي رجال الدين، والأخطر عندما يُطلب من المُخرج أن يأخذ الموافقة من رجال الدين قبل تقديم عمله الفني للأمن العام للحصول على رخصة عرضه.

الحريات في لبنان على المحك، نعم، وما أكثر الأمثلة التي من الممكن أن نسردها، فما حصل مع "مشروع ليلى" ليس إلا محطة من محطات القمع والتضييق على الحريات، والتي لا تشكّل صدمة للذين يتابعون من كثب التراجع غير المسبوق في مستوى الحريات بكافة أشكالها، والتي توضح لنا المسار الانحداري الذي تشهده الحريات الإعلامية والثقافية في لبنان، خصوصاً في ظل "تعاون" دائم بين السلطات الدينية والأجهزة الأمنية، في ما يتعلّق بتنفيذ توصياتها. وإذا أردنا أن ننظر سريعاً إلى قرارات المنع والرقابة على الأعمال الثقافية مثلاً خلال العامين الماضيين، فهناك ثمانية أفلام مُنعت لأسباب سياسية أو دينية، أو بحجج تتعلّق "بالترويج للمثلية" أو بإسرائيل، في حين يتدخّل مكتب الرقابة في الامن العام اللبناني ليزيل صفحات عن مجلة فرنسية (L’obs)، ويحجب صورة للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية في مجلة أخرى بحجة أنها" تسيء إلى شخصية دينية يؤيدها قسم من اللبنانيين "، فضلاً عن رفض الأمن العام إصدار تأشيرات دخول لأعضاء فرقة Sepultura البرازيلية بحجة أنهم "من عبدة الشياطين" وأن أغانيهم "تسيء إلى الدين المسيحي"، عدا عن استدعاء الصحافيين والنشطاء والمواطنين على خلفية تعبيرهم عن آرائهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ومحاكمة صحافيين أمام المحاكم العسكرية، ومنع فاعليات متعلّقة بالدفاع عن حقوق المثليين في لبنان، وغيرها من الأمثلة التي تضع لبنان في خانة البلدان القمعية والتي لا تمتّ إلى الحرية بصلة.

في العودة إلى حفل "مشروع ليلى"، لم يشكّل المنع صدمة بقدر ما شكّل صمت الدولة اللبنانية إزاء ما حدث، وتحديداً بعد خطاب الكراهية والتهديد باستخدام العنف وإهدار الدم في حال استمر عرض الحفلة بحق أعضاء الفرقة وداعميها، في حين تتحرّك، وبسرعة لافتة، أجهزة الدولة من مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وغيرها من الأجهزة الأمنية عندما يُبدي صحافي أو ناشط أو حتى مواطن عادي رأيه بسياسي معين أو يستخدم السخرية في وصفه لبعض الشخصيات الدينية أو في انتقاده للدين نفسه، هذه الاستنسابية في التعامل مع قضايا كهذه وتحديداً التي لها خلفية دينية، تساهم في إثارة الغرائز و"التخويف" من الآخر، وتعزّز حالة الانغلاق على الذات والتقوقع، في حين أنه من المفترض أننا في دولة مدنية تمنع تدخّل الرقابة الدينية لترفض أو تسمح بعرض عمل فنّي أو فيلم أو غيره، لأن ذلك يؤثر بشكل سلبي في الإبداع الفنّي في لبنان وعلى الحريات.

لطالما كان لبنان بلد الحريات الرائد في احترام الرأي والتعددية، أما الآن فقد خسر كثيراً في هذا المضمار، الحرية التي تُعتبر إحدى قيمه الأساسية. خسر معركته أمام الطائفيين المتطرفين، واكتشفنا أننا في بلد قمع الحريات وتكميم الأفواه، خسرنا أمام نظام سياسي يكشف عن وجهه الأمني والبوليسي فقط عند إبداء الآراء، ويجلس صامتاً أمام تهديد المتطرفين ووعيدهم، خسرنا أمام الواقع التعايشي الهشّ الذي يصرّون على تسميته "المشترك"، وأصبحنا بلد الخوف من الآخر، فعلاً الحريات في لبنان ليست بخير.

صحافية وباحثة في مؤسسة سمير قصير

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard