هل يمكن أن يثور اللبنانيون؟

28 تموز 2019 | 11:13

صورة ارشيفية (ا ف ب)

أحد أشهر الحلاقين في لبنان، ويملك فروعا في عدة بلدان عربية، غير معتاد على التحدث في الشؤون السياسية، لكنه سألني متعجبا: ما الذي تفعلينه هنا؟ (شو بعدك عمتعملي هون؟)، لشدة قرفه مما يحدث في لبنان.

أثناء جلسة مجلس النواب لإقرار بنود الموازنة العامة، حيث تبارى "ممثلونا" في مسابقة "هايد بارك" كلامية، وكشفوا المستور عن الفساد والهدر والتعدي على القوانين وهي تلت كباشا شهدته الحكومة، وكان ظاهره الإصلاح وباطنه المحاصصة؛ قصدت وسط بيروت سيرا، وفوجئت بأعداد الجنود التي تزداد على طول الطريق المؤدية إلى محيط البرلمان. في طريق عودتي كانت تجمعات المتظاهرين من المتقاعدين العسكريين قد بدأت بالتوافد بأعداد كبيرة. ثم حصلت مناوشات بينهم وبين العسكر المكلف بحماية مداخل ساحة النجمة.

لبنان يبدو أقرب ما يكون إلى نقطة الانفجار؛ لأن المواطن مهان، مجروح الكرامة وغاضب

كلمات وأوضاع بعض العسكريين حركت مشاعر الحزن والتعاطف. شعروا بالغبن والإهانة والغضب. فالموازنة لم تمس أيا من أبواب الهدر المشرعة ولا خفضت الإنفاق، سوى التمرين الذي أريد به "الاقتصاص التحذيري" من الرئيس سعد الحريري عبر المس بالمؤسسات الخاضعة لسلطة رئيس الحكومة المباشرة!

في عمليتها "الإصلاحية" لم تجد الحكومة سوى جيوب المواطنين من الطبقات الفقيرة والمتوسطة؛ فمن الألف ليرة على النرجلية، إلى تخفيض بدل وجبة العسكري الذي ينفذ مهمة ميدانية من 5 آلاف ليرة إلى 3 آلاف ونصف، واقتطاع 3 في المئة من ضمانه الصحي ـ تم التراجع عن بعضها ـ إلى ما هنالك. طالت ذات السياسة جميع القطاعات الأخرى. تم تطبيق زيادة ضريبية بلغت 3 في المئة على مئات السلع المستوردة. ما يعنى رفع الضريبة على القيمة المضافة بشكل مقنع. ما يزيد الطين بلة، أن كل ذلك قد يؤدي إلى انكماش اقتصادي وقد يشعل الأسعار في ظل رقابة شبه غائبة. فهناك 120 مراقبا اقتصاديا فقط لتغطية كل لبنان!

ناهيك عن أن الزيادة الضريبية ستضاعف التهريب من 136 معبرا غير قانوني على الحدود، معروفة ولا قرار سياسي بإقفالها للأسباب المعلومة. عدا التهريب من المعابر الشرعية باعتراف المسؤولين.

كان يكفي تطبيق القوانين ومنع التهرب الضريبي مع قانون ضريبي تصاعدي وضبط المعابر الشرعية وغير الشرعية ومنع التهريب وخفض الإنفاق والهدر المعلنين، وأهمها "بالوعة الكهرباء" التي تحصل على ما يقارب ملياري دولار سنويا "كسلفة!".

يعلم الجميع أنها مسرحية، إلى درجة أن النائب سليم سعادة أعلن ذلك في الجلسة البرلمانية بصراحة: "من جهة سيدر لا ينشغل بالكم، صحيح أنهم وضعوا علينا شروطا، وهم يعرفون أننا نكذب عليهم، ونحن نعرف أنهم يعرفون أننا نكذب عليهم، فما ما فيه مشكلة من الأساس. هذه الحقيقة". وضحك الجميع مسرورين.

هذا نموذج عما يجري في لبنان. الحكم والحكومة في فضاء، والشعب في فضاء آخر. وكل الأمور مكشوفة علنا، فيما تستكمل مسيرة التردي المتفاقم لنوعية الحياة. تردي البيئة وتلوثها بالمفهوم الشامل أو ما نسميه في علم النفس تردي الصحة الذهنية. أي ما يطال البشر والحجر والاقتصاد والاجتماع والسياسة، ناهيك عن الصحة الجسدية والعقلية والنفسية للمواطن.

هذا ما يجعل كثيرين يتساءلون: هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى الانفجار وقيام انتفاضة على غرار ما حصل في 2005 أو ما يحصل في السودان والجزائر؟ اللهم إلا إذا قرر طرف داخلي أو خارجي تحويلها نحو العنف.

يعتقد البعض أن ذلك مستبعد في لبنان، بسبب حرية التعبير الكبيرة المتاحة والتي تتولى تنفيس الاحتقان، على غرار ما تفعل "السوباب" في طنجرة الضغط. إلى جانب أن جزءا كبيرا الشعب اللبناني مستفيد من الوضع السائد بسبب تحول النظام اللبناني إلى نظام ريعي بواسطة توسيع شبكة الزبائنية. فحسب "الدولية للمعلومات" يبلغ عدد موظفي القطاع العام 300,000، وهي من أعلى نسب القطاعات العامة نظرا لعدد السكان. ويستفيد هؤلاء من 36 في المئة من موازنة الدولة بحسب التقديرات.

هذا مع العلم أن العديد من الأجهزة الرسمية معطلة بسبب شغور الوظائف فيها؛ بينما أجهزة أخرى متخمة بحيث لا يقوم الموظف أو الأجير بأي عمل.

من الموانع أيضا أن التحركات المطلبية برهنت أنها تنقسم على نفسها، فإما تتبع ولاءاتها السياسية أو ينطبق عليها المثل "أنا أو لا أحد". ما يقضي على فرصة التنسيق بينها أو الاتحاد لتشكيل قوة ضاغطة. كل ذلك في ظل ضعف الاتحادات النقابية.

لكن في المقابل، هناك ثقل الأزمة الاقتصادية والشعور المتصاعد بالغضب الذي نلمسه عموما أينما توجهنا.

كثيرة هي التحليلات المتعلقة بالانفجارات التي تحصل فجأة؛ وسبق أن أشرت في مقالات سابقة عن الثورات وآلية انفجارها، إلى وجود نقطة حرجة يتسبب الوصول إليها بالانفجار الشعبي، مستعينة باستنطاق عدد من العلوم في الوقت نفسه.

تستكمل مسيرة التردي المتفاقم لنوعية الحياة في لبنان

في تجربة شهيرة في الفيزياء، توضع شاشة مثقوبة بفتحتين بين صحيفة فوتوغرافية ومصدر إنارة يسمح بإرسال فوتونات ضوئية واحدة واحدة نحو الشاشة. عندما تُعكس الفوتونات نحو الثقوب من المستحيل معرفة أي ثقب سوف تقطع هذه القسيمة ولا أين سوف تحط تماما. إن حركة الفوتون من وجهة النظر هذه تبدو صدفوية وغير متوقعة. لكن بعد إرسال حوالي الألف منها يُلاحظ أنها لا تترك بقعة صدفوية على الصفيحة الفوتوغرافية، بل تشكل صورة منظمة تماما. من هنا الاستنتاج أن الطابع الصدفوي لكل قسيمة معزولة يخبئ بالفعل درجة تنظيم عالية لا يمكن تفسيرها. يبدو الأمر كأن هناك "جاذبا غريبا" ينظم السلوك بعمق. اتفق الفيزيائيون على وجود ثابت كوني إضافي هو التواقت المتزامن (Synchronicity) كمكمل لمبدأ السببية. في عالم الفيزياء يبدو كل جزيء كأنه يعرف تماما ما سوف تفعله الجزيئات الأخرى في الوقت ذاته، مع أنها بعيدة عنه بشكل عياني.

إذا أردنا الاستعانة بالفيزياء لتفسير سيكولوجية السلوك الإنساني فنطبق قانون التواقت المتزامن على مفهوم اللاوعي الجماعي الذي أدخله يونغ، من ناحية، وسيكولوجية الحشود التي وسّعها غوستاف لوبون، يمكننا فهم بعض ما يجري في لبنان والعالم العربي. فنحن لا نتوقع سلوك الأفراد أو المجتمعات كل على حدة، لكن يبدو أن هناك تراكما سببيا يطلق وعيا داخليا ومحرّكا قويا يفجرها.

ولبنان يبدو أقرب ما يكون إلى نقطة الانفجار؛ لأن المواطن مهان، مجروح الكرامة وغاضب.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard