في تاريخ مسجد السّرايا في بيروت

22 تموز 2019 | 17:44

المصدر: "النهار"

مسجد السّرايا

"كتابة التاريخ لها مقوِّمات وشروط، وبداهةً أنَّ في طليعة مقوماتها الأمانةَ، وتحرِّي الصِّدق والبحث عن الحقائق"

استوقفتني أخيراً اللوحات التوجيهيّة الجديدة التي وضعتها شركة "سوليدير" أمام الأبنية التي تتّسم بطابع تاريخي في وسط بيروت، شارحةً فيها تاريخ هذه المعالم وميزاتها الهندسيّة. ويأتي هذا المشروع ضمن مخطط أكبر تعمل عليه الشّركة منذ سنوات، معروف باسم "المسار التّاريخي "Heritage Trail، يكشف قصّة مدينة يفوق عمرها الـ5000 عام من تاريخ وتراث وحضارة، عبر زيارة أكثر من خمسين موقعاً في المدينة.

إن أكثر ما لفت إنتباهي، هي اللوحة الموضوعة عند مدخل مسجد السّرايا (الأمير منصور عسّاف)، المليئة بالمعلومات المغلوطة او المنقوصة، لذا أنشر ما يلي على أمل أن يتم تصحيح الخطأ حفاظاً على تاريخنا واحتراماً لإرثنا وتراثنا.

أولاً، يذكر كاتب هذه اللوحة في بداية نصّه أن "الأمير منصور عسّاف افتتح هذا المسجد عام 1597 عند ساحة السّرايا القديمة"، والمعروف أنّ الأمير منصور (واسمه الكامل الأمير منصور بن حسن بن العسّاف التّركماني) حكم مناطق كسروان وجبيل والبترون وعكار ما بين العام 1523 (بعد وفاة عمّه الأمير قايتباي بن عسّاف) وحتى خَلعِهِ عام 1579 من السّلطات العثمانيّة (وقد توفي لاحقاً عام 1580 وخلفه نجله الأمير محمد بن منصور الذي ستنتهي معه سلالة آل عسّاف بعد مقتله عام 1591)، وامتد حكمه الى بيروت وحمص وحماه وجعل من غزير عاصمةً له، وفقاً لما أوضحه الدّكتور كمال الصّليبي في كتابه «منطلق تاريخ لبنان» ص 152-165. فكيف لأميرٍ متوفٍ عام 1580 أن يفتتح مسجداً بعد أكثر من 17 عاماً على وفاته؟

ثانياً، في موضوع السّرايا القديمة وساحتها: يخبرنا الرّحالة الشّيخ عبد الغني النّابلسي في كتابه "التّحفة النّابلسيّة في الرّحلة الطّرابلسيّة"- 1700 عن سرايا المدينة القديمة، فيقول: "وقد أُخبِرنا بأنّ هذه السّراية عمارة الأمير عسّاف، والأماكن التّي خارجها جميعها قد عمّرها الامير فخر الدّين بن معن، وجعل بعضها لأجل العساكر والعديد وبعضها لأجل الوحوش"(ص 42). عن موقع هذه السّرايا، يذكر الشّيخ طه الولي في كتابه "تاريخ المساجد والجوامع الشّريفة في بيروت" ما يلي: "كانت ساحة باب المصلّى تقع عند مدخل بيروت الشّرقي، يحدّها من الغرب سراي الحكومة القديمة، أي دار الولاية التي بناها الأمير منصور عسّاف التّركماني وقد شيّد في مكان الدّار المذكورة سوق سرسق الحالي" (ص 58).

سرايا المدينة (وقد أُقيم في مكانها اليوم فندق Le Gray)، من المرجّح أن يكون الأمير منصور عسّاف هو من بناها ورمّمها الأمير فخر الدّين، كانت اذاً عند ساحة باب السّرايا وظلّت قائمة حتى أواخر القرن التّاسع عشر (حينما اشترى السّادة سرسق وتويني السّرايا بالمزاد العلني مقابل 70,050 ريالاً مجيديًّا وقاموا بهدم ما تبقى منها في حزيران سنة 1882)، وأن من ورث موقعها هو سوق سرسق- تويني. أما موقع السّاحة، فهي شمال-غرب ساحة الشّهداء الحاليّة (ما بين فندق Le Gray وموقع آثار السّراي الصّغير)، فكيف يكون المسجد عند السّاحة كما تدّعي اللوحة وهو بعيد منها أكثر من 80 متراً؟

ثالثاً، في موضوع الحمّامات: يشير النّابلسي في كتابه السّابق ذكره إلى 4 حمامات في المدينة، وأحدها "حمام الأمير فخر الدّين على أنّه حمام السّرايا الخاص بالأمير، الذي يؤجره سنوياً مقابل 1200 قرش". نستشهد هنا بوثيقة من المحكمة الشّرعيّة في بيروت مؤرخة بتاريخ الخامس من شهر جمادي الثّاني 1264 ه: "المبيع هو الدّكان الواقفة آخر الدّكاكين الكائنة بجنينة الحمام السّرايا الملاصقة لدكان الحلاقة الشّهير ذلك باطن مدينة بيروت، يحدّها ِقبلةً جنينة الحمام وشمالاً الطّريق السّالك". والطّريق المذكورة هنا هي سوق الفشخة (أو ما سيعرف فيما بعد بشارع ويغان). يتبيّن لنا اذاً انطلاقاً ممّا ذُكِرَ في هذه الوثيقة، أنّ موقع الحمّام هو مقابل المسجد لجهة الشّمال (حيث شارع ويغان) لا الشّرق (حيث سوق سرسق)، الأمر الذي يدحض ما ورد في اللوحة على أن " السّوق حلّ محل السّراي القديم والحمّامات"

يشير المؤرخ الاستاذ عبد اللطيف فاخوري في معرض حديثه عن حمام السّرايا، إلى "أنه قد استُملِك عند توسيع شارع الفشخة وشارع السّرايا وبقيت منه فضلة مساحتها خسمة وعشرون ذراعاً، باعتها البلديّة بالمزاد فاشتراها عبد الغني سعادة سنة 1901م" (من كتاب منزول بيروت، ص 191). والمعروف من سجلّات بلدية بيروت أنّ سوق الفشخة تمّت توسعته، ثم افتتاحه في أيار 1894 وعُرف بـ الشّارع الجديد من قِبَل رئيس المجلس البلدي في حينها محمد بيهم. فكيف يكون الحمّام قد أُزيل في ثمانينيات القرن التّاسع عشر كما تورد اللافتة؟

رابعاً، في موضوع باب السّرايا: يورد الرحّالة الفرنسي دو ميسنيل دو بويسون في كتابه "دفاعات بيروت" عام 1922 وصفاً لباب السّرايا في بيروت ويقول " الباب المذكور يتكوّن من مبنى مربّع وبرج مربّع يدعمه السّور، وأن واجهته الخارجيّة تتألف من جدار بسيط تعلوه شرفات صغيرة محميّة". كما نقرأ في محضر جلسة المجلس البلدي لمدينة بيروت بتاريخ 31 تشرين الأول 1925: "بحث المجلس ضرورة اقامة درابزين حول باب المصلّى، أحد أبواب بيروت القديمة" (محضر جلسة 31-10- 1925 ، ص 204 رقم 395)، وفي محضر جلسة 12 أيلول 1927 نقرأ: "إجراء المزايدة على المقهى والدّوائر الوسطيّة والمخازن وبعض الفضلات في محلة باب المصلّى" (محضر جلسة 12-09-1927 ص 2، رقم 44). هذه المراجع تؤكد كلّها أن باب السّرايا (أو المصلّى) كان لا يزال قائماً حتى أواخر عشرينات القرن الماضي، على عكس ما تذكره اللوحة بأنّه أُزيل في العام 1915.

خامساً، تجاهل كاتب النّص (عن قصد أو سهواً؟) ذِكر تاريخ الموقع ما قبل القرن السّادس عشر، مع العلم أن المراجع عن ذلك التّاريخ واسعة ومفصّلة. يذكر الدّكتور صالح لمعي عمّا سبق عنّ المسجد المرقوم، فيقول: "وقد أقيم الجامع على قطعة أرض التّي كان عليها في السّابق مبنى دير وكنيسة لأتباع القديس فرنسيس الأسيزي، والتي أقيمت في المنتصف الأول للقرن الثّالث عشر الميلادي" (ص 28). وقد سبقه المؤرّخ الأمير صالح بن يحيى التّنوخيّ في كتابه "تاريخ بيروت وأخبار الأمراء البحتريين من بني الغرب"، الذي نقل إلينا ما يلي: " ولما إنقسموا ثلاثة أبدال (أي فرق) إتخذوا كنيسة شرقيّ البلدة داخل الصّور (السّور) فكانت لهم منزلاً. وكانت هذه الكنيسة تعرف بكنيسة إفرنسيك […] وكانت هذه الكنيسة الكبيرة جعلوها السّلف (أي اباء المؤلف) اسطبل، وجعلوا أعلاها أطباقاً وهي في وقتنا خراب، بيعت لبني الحمراء حجارتها الى مدرستهم وذلك بعد العشرة وثمانماية ه" (ص 110). كما تشير الباحثة راي جبر معوّض الى هذه الكنيسة فتقول: "كنيسة المخلص المقدس كانت في الأصل، وفقا للتّقاليد، كنيس يهودي. في العصور الوسطى، أصبحت الكنيسة الفرنسيسكانيّة قبل تحويلها لاحقاً إلى مسجد، مسجد السّراي في بيروت" (La Mosquée du Sérail à Beyrouth: Histoire d’un lieu de culte, dans: Tempora. Annales d’histoire et d’archéologie p 153) ، وغيرها الكثير من المراجع لسنا في معرض الحديث عنها الآن. فكيف يمكن تجاهل وتغييب كل هذا التّاريخ الذي إنّ دلّ على شيء، فهو الغنى الثقافي والحضاري الذي لطالما تغنّت به بيروت!

لذا ندعو لإزالة اللوحة وتصحيح المعلومات الواردة فيها واستبدالها بأخرى تتضمن معلوماتٍ دقيقة، تتوافق مع النّقاط التّي ذكرناها في هذا المقال.

أخيراً، من المؤسِف أن يكون كاتب هذه اللوحات هو نفسه من أوكلت إليه مهمّة الحفاظ على تراث المدينة، فهو بعمله هذا يظلم التّاريخ ويسيء إلى نفسه، فأضحى جانياً على نفسه وعلى التّاريخ في آنٍ واحد، ونحن في حاجة إلى مَن يكتب التّاريخ بأمانة وانصاف، كل ذلك بهدف الوصول إلى حلم الموضوعيّة المنشود فالإنصاف والصدقيّة أصبحتا عملة نادرة فى زمننا هذا.


حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard