حكاية جامعيّ فلسطينيّ فقد عمله

22 تموز 2019 | 15:23

تلامذة فلسطينيون (تعبيرية- أ ف ب).

التقيت بعبد، طالبي في السنة الأولى، علوم سياسية، الجامعة اللبنانية. هو كان طالباً ليس ككل الطلاب. هادئ جدا، يراقب، ويتكلم بلغة العيون، وحين يقوم بمداخلة داخل الصف تشعر كأن موسوعة من الكتب تتكلم. فهو قارئ كبير، ومحلّل بارع. يتفاعل مع كل أصدقائه، ويساعد الجميع في دراستهم.

بدأت صدمة عبد في الفصل الثاني من السنة الأولى بوجوده مع غالبية من الطلاب. دخلت لتدرس السياسة ليس حباً بالسياسة بل لعدم وجود خيارات أخرى، ومع عدد كبير من الأساتذة يعتمدون التلقين ويفتقرون إلى الأساليب التعليمية الحديثة، في مجال يحتاج إلى التفاعل، والحوار، والجدلية.

هذه ليست أولى صدمات عبد، التي بدأت في المخيم بسيطرة البؤس، الحرمان، العنف، والأفكار التقليدية المنتشرة لدى الأحزاب التي تبعد الشباب عنها، حيث يتعرض هؤلاء للإقصاء عن العمل السياسي والاجتماعي. ناهيك بالقمع الاجتماعي والثقافي الذي غالبا ما يكون تحت تحت الغطاء الديني الذي يفرض قيما واحدة على الجميع دون احترام للحرية الفردية.

تمرّد عبد على هذه العادات داخل عائلته ليدافع عن الحريات الفردية، والتعددية الثقافية، من أجل بناء وطن يكون للجميع.

دخل الجامعة اللبنانية وكان يتملّكه خوف كبير من نظرة الآخرين إليه، هو الذي يعرف وطأة "ابن المخيم" على اللبنانيين، الأمر الذي كان يؤدي إلى الخوف من الاختلاط، والتعبير عن الرأي، والإحساس بنظرات الآخرين الفوقية، وخوف النبذ.

عبد الفلسطيني الذي لا يعرف بلده، كالطفل الذي ولد ولم ير أمه، فراح ينظر الى لبنان باعتباره الأم البديلة التي تبنته وعاش معها كل تفاصيل حياته. بالرغم من علاماته العالية وتفوقه، لم أر يوماً سعادة في عينيه، أو فخراً، بل دائماً نظرات اليأس والتعب، والظلم الذي ناله من الجامعة، من المجتمع، والأهم من العيش في المخيم "العيشة بالمخيم بحد ذاتها ذل: ما في شمس، ما في هوا، ريحة مجارير،..." قال عبد.

المرة الوحيدة التي رأيت فيه عبد يحدثني مثل أي شاب يحلم ويطمح بمستقبل أفضل، حين أخبرني أنه وجد وظيفة في جمعية تعنى بحقوق الأطفال. تبنى قضية أطفال المخيمات وبرع في عمله، وتألق، كأنه رأى في هذه الوظيفة طريقة للتعويض عما حرم منه، وبدأ يستعيد ذاته المدمرة من الظلم عبر مساعدة الأطفال.

التقيت عبد بعد سنتين من تخرجه. كان يحمل النظرة الهادئة والبعيدة نفسها، كأنها تسكن في عالم خاص ترى فيه انسانيتها.

قال لي إنه الأسبوع الأخير له في العمل، بعدما فقد وظيفته التي كانت الخبر الجيد الوحيد في حياته، وهي الوظيفة التي وضعته مجددا على سكة الانسانية. هو فقد الوظيفة بسبب قرار وزير العمل تفعيل القانون الذي يفرض اجازات عمل على اللاجئيين الفلسطينيين في لبنان. أدى هذا القرار ليس فقط الى اغتيال أحلام عبد وطموحاته في أن يعيش حياة شبه طبيعية، بل الى انفجار الشارع الفلسطيني في المخيمات.

فهذا القرار حرم اللاجئ الفلسطيني في لبنان من فتات الحقوق المتبقية. سألت عبد عن شعوره فقال: "لم أعد أشعر منذ زمن. فقدت الإحساس بالأشياء الجميلة والقبيحة، فقدت الشعور".

ماذا أتوقع من عبد بعد هذا القرار؟ ماذا أتوقع من الشباب الفلسطيني؟ كيف لهم أن يتعاملوا مع الأم التي تبنتهم، وحملت قضيتهم الفلسطينية، لكنها اغتالت انسانية الفلسطيني؟ أحقاً نعي تداعيات هذا القرار على الداخل الفلسطيني واللبناني؟ ولماذا نلجأ الى شد العصب ضد الفلسطينيين كل مرة نريد أن نكسب فيها تأييدا شعبيا؟ ألا نعي أن انتهاكات حقوق الانسان تؤدي الى تعزيز النزاع وضرب السلم؟

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard