زيارة سجّان لقبرِ سجينٍ سابق

22 تموز 2019 | 11:02

المصدر: "النهار"

حديقة الموت (اللوحة للرسام لهوغو سمبرغ).

- كنتُ على وشك أن أنهي إجازتي السنويّة ليومٍ واحد، عندما قلتُ لنفسي إنّ زيارتكَ دينٌ عليَّ، يا لبنان، بل واجبة، على المستوى الأخلاقيّ.

- ما الذي ذكّركَ بي، أنتَ الذي ليس لنزلائكَ عدٌّ ولا إحصاء ولا... قيمة اعتباريّة؟

- صحيح. أنا كسجّان لا أتذكّر أحد نزلائي في ذاته، أو على وجه التخصيص، لكنّي أتذكّركَ وحدكَ من بين سجنائي كلّهم، ماضيًا وحاضرًا، وربّما مستقبلًا، لأنّكَ كنتَ سجينًا استثنائيًّا إلى حدّ التزمّت، حيث كنتَ ترفض التنازل عن الشكليّات المبدئيّة والرمزيّة المتعلّقة بكرامتكَ، معتبرًا أنّ الحفاظ على ذلك لا ينفصل عن التمسّك بجوهر المعايير والقيم وبثوابت الأخلاقيّات. لقد تبيّن لي بالبرهان أنّكَ مختلف، عندما لم تقبل منّي أيَّ مراعاةٍ، فرفضتَ مثلًا أنْ تُعامَل بخلاف السجناء الآخرين، كما امتنعتَ عن قبول وجبات الطعام المميّزة التي عرضتُها عليك، وكلّ أشكال المعاملة الخاصّة الأخرى، كي لا تجد نفسكَ مضطرًّا إلى مبادلة المراعاة بالمراعاة...

- السجّان، في قرارة أعماقه، يعتبر أنّ الجميع قابلٌ للترويض والتدجين والتطويع. قلتُ لنفسي أقطع عليكَ درب الممالأة من أوّلها كي لا أضطرّ، أنا، إلى اللجوء إلى مواقف وردود أفعال من شأنها أنْ تحفظ لي صورتي عن ذاتي، وكي لا تضطرّ، أنتَ، إلى استخدام أساليب دنيئة ومشينة، أو تخطّي الحدود المرسومة لكَ كسجّان، من أجل اجتذابي كمتواطئ معكَ داخل السجن، أو كخائنٍ عميلٍ لأسيادكَ بعد إتمامي فترة المحكوميّة...

- سرعان ما أدركتُ أنّكَ من طينةٍ أخرى. كان ينبغي لي أنْ أمتحنكَ في أمورٍ رمزيّة كي أتأكّد أنّكَ غير قابلٍ لأيّ نوعٍ من المساومات، أو للدخول في قطيع. لم يكن خطأ أنْ توصف بأنّك "وطن النجوم" و"لبنان الشاعر"...

- أنا غلطة، أيّها السجّان. لا غلطة وجوديّة، أو كيانيّة، كما يروّج بعض "الغيارى"، بل غلطة الاستثناء الذي يثبّت القاعدة بدل أنْ يلغيها. لم يستطع أحدٌ قبلكَ (ولا بَعدكَ!)، أنْ يجعلني أقبل أنْ أكون مقرًّا أو ممرًّا، على رغم توالي الذين اجتاحوني، واحتلّوني، وانتهكوني، واغتصبوني، وتعاملوا معي، قسرًا وبالقوّة، باعتباري مقرًّا أو ممرًّا. إنّها لمأساة، أنْ يكون بلدٌ ما غلطةً كهذه الغلطة، واستثناءً كهذا الاستثناء، وهي مأساةٌ مزدوجةٌ حيال الذات وحيال الآخر، حيث لا مفرّ ولا خلاص.

- كنتُ أراقبكَ على الدوام. وهي مناسبةٌ لي في هذه اللحظة، كي أعبّر لكَ عن ذهولي، أنا الذي لا ضمير عندي. تَصوَّرْ أنّي كنتُ "أشعر" معكَ، إلى درجة أنّي، أكثر من مرّة، احتقرتُ ذاتي لأنّي سجّان. لقد فضحتَ حقارتي، يا لبنان.

- صعبٌ على سجّانٍ أنْ "يشعر". فكيف له أنْ "يشعر" معي، أنا بالذات. مستحيل. أنْ تشعر معي، يعني أنْ تتواطأ ضدّ ذاتكَ وجوهركَ، وضدّ إلهكَ. بذلك تنتهك طبيعتكَ، وحقيقة وظيفتكَ. لا يمكنكَ أنْ تكون سجّانًا وسجينًا في الآن نفسه. أفهم أنّكَ لم تكن تتذمّر منّي ومن تصرّفاتي السلوكيّة البالغة التحفّظ. السجناء الآخرون كانوا يُرهقونكَ بالمطالب والحظوات، فتبذل الجهود العقليّة المضنية لترويعهم أو ترغيبهم، وتمضي الوقت في استرضائهم بشتّى الوسائل الممكنة وغير الممكنة، المتخيَّلة وغير المتخيَّلة.

- دعنا من ذكريات السجن. فأنا أزوركَ لأقف على خاطركَ حيث أنتَ الآن. ليتكَ تحكي لي عن أحوالكَ هنا، في هذا الموت، بعيدًا من مواطنيكَ السابقين...

- مواطنيَّ؟! إنّهم سكّان وليسوا مواطنين. لم يكن ثمّة مواطنون في أرضي. كانوا، ولا يزالون، في غالبهم الأعمّ، تجّاري. هم، بالأحرى، عبيدُكَ وقطعانُكَ ومرتزقتُكَ. إنّهم مواطنوكَ، أنتَ، أيّها السجّان. كم كان يسهل عليهم أنْ أكون دميتكَ ليصيروا عبيدي لا مواطنيَّ. لم أقبل بالطبع. هم، والحال هذه، خَوَنَتي. بسببهم، "انتقلتُ" إلى هنا، لا بسببكَ. عذابُكَ كسجّانٍ معهم، لا يُذكَر أمام العذاب الذي عانيتُه منهم، منذ أزمنةٍ سحيقةٍ ومتلاحقة، باعتباري وطنًا مفترَضًا وباعتبارهم مواطنين افتراضيين. كنتُ حافظًا كرامتي في سجنكَ. لذا، لا مقارنة بين سجنكَ وسجونهم. فردوسٌ سجنُكَ الاستبداديّ، أمام سجون زعمائهم ورؤسائهم وقادتهم وآلهة طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم وميليشياتهم وعنصريّاتهم وأحقادهم وثاراتهم البغيضة. لقد جعلوني أرضَ خرابٍ ويباب. كم أنا سعيدٌ في هذا القبر، حيث أنا الآن، أيّها السجّان!

- ألا تشتاق إلى أرضكَ، يا لبنان؟! ألا تعذّبكَ ظلمة هذا القبر؟

- أفضّل سبعين مرّةً سبع مرّات، أنْ أكون بكرامتي هنا، في ظلمة القبر هذه، على أنْ أكون رهين كوابيسهم هناك. كراسيهم ومناصبهم وطوائفهم ومذاهبهم وعنصريّاتهم وشهوات السلطة لديهم، لا تُحتمَل. يستحقّون حكم الاستبداد لا حكم الشعر والحلم والحرّيّة. قلْ لهم، كم يحتقركم لبنان، لأنّكم عبيدٌ، ولأنّه هو حرّيّة!

- سؤال أخير: هل تفكّر يومًا ما في العودة إلى أرضكَ، لتسترجع أرضكَ؟

- لم أترك أرضي يومًا، إلّا "بالقوّة الفلسفيّة". أرضي لا تنفصل عن ذاتي، وكينونتي. أعود، "بالفعل الفلسفيّ"، عندما يُعترَف بي وطنًا علمانيًّا، ودولةً للإنسان، للحقّ والعدل والدستور والحرّيّة والمساواة. أقلّ من ذلك، "ما بتحرز". لا سبب جوهريًّا لأعود، في المعادلات القائمة. قلْ لهم ذلك، أيّها السجّان. هم لا يستحقّون عودتي.

Akl.awit@annahar.com.lb

حسم 50% على إشتراك “النهار” Premium السنوي

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard