عون يخوض حرب التدقيق الجنائي في زمن التعطيل الحكومي... هجوم عنيف على "المركزي"!

توجّه رئيس الجمهورية ميشال عون، مساء اليوم، إلى اللبنانيين، بكلمة متلفزة تمحورت حول التدقيق الجنائي، اعتبر فيها أنّه "يبدو أن لا إرادة لإجراء التدقيق الجنائي، فيما يريد الشعب معرفة مصير أمواله"، مشيراً إلى أنّ "هدف المماطلة إسقاط التدقيق الجنائي، الذي يعني ضرب المبادرة الفرنسية، ومن دونه لن يحصل لبنان على دعم دولي أم عربي أم خليجي، ولا حتى على دعم من صندوق النقد الدولي".

ودعا عون، الحكومة، "لعقد جلسة استثنائية واتّخاذ القرار المناسب لحماية ودائع الناس، وكشف أسباب الانهيار وتحديد المسؤوليات تمهيداً للمحاسبة واسترداد الحقوق"، مضيفاً: "أنا ميشال عون أقول للبنانيين، تختلفون معي بالسياسة لكنّني إلى جانبكم بالحق".

وقال عون في مستهلّ كلمته: "عُقد أمس، اجتماع بين ممثلين عن وزارة المال وحاكمية مصرف لبنان وشركة (الفاريز ومارسال)، من دون التوصل الى نتيجة ملموسة، وتقرر عقد اجتماع آخر يوم الجمعة".

وأضاف: "أرى في ذلك مماطلة مؤكدة، تدل على عدم وجود إرادة بإجراء التدقيق الجنائي، والبرهان على ذلك هو ان مجلس الوزراء اخذ القرار بالتدقيق في 26 آذار 2020 ولغاية اليوم، أي بعد سنة وبضعة أيام لم يتم تنفيذ القرار. وفي دليل إضافي على عدم وجود إرادة بالتنفيذ هو انهم استبدلوا المفاوضات بمراسلات عن بعد وبخفض مستوى المتفاوضين".

واعتبر عون انّ "المفاوضات الفعلية يجب ان تتم مباشرة، وجهاً لوجه، حول الطاولة، بين المسؤولين الفعليين وليس بين ممثلين عنهم، كما حصل امس. وما جرى يدل على اننا سنبقى ندور في حلقة مفرغة من دون افق زمني ولا ضوابط".

وتابع: "الشعب اللبناني ينتظر معرفة مصير أمواله ويخشى من سرقة الوقت بعدما سرق منه جنى العمر".

وأضاف عون: "قبل عودتي الى لبنان عام 2005، كنت مدركاً لخطر الانهيار المالي، وعندما أصبحت نائباً ورئيساً لتكتل نيابي، طالبت بإلحاح بإجراء التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان وبإنشاء محكمة خاصة بالجرائم المالية، لكن المطلَبَين وضعا في الادراج".

وأردف: "بعدما انتخبت رئيساً للجمهورية، حاولت على مدى ثلاث سنوات ومن دون نتيجة ان افتح باب التدقيق الجنائي لأحمي ودائع الناس. كانت الازمة المالية والنقدية تتفاقم وبدأت في تموز 2019 مؤشرات الانهيار وانكشف الوضع في 17 تشرين اول من العام نفسه. مرّت بضعة اشهر قبل ان كلفت حكومة الرئيس حسان دياب في 26 آذار من العام الماضي، وزير المال غازي وزني باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان بهدف معرفة أسباب التدهور المالي وكشفها".

إلى ذلك، أشار عون إلى أن "الشكوك كانت تتأكد يوماً بعد يوم، بأن حسابات المصرف المركزي غير شفافة ولم يكن يعرف حجم النقص في الاحتياط بالعملات الأجنبية وهو نقص كانت تتم تغطيته من أموال المودعين خلافا للقانون".

وتابع: "لقد منعت الحجج الواهية مجلس الوزراء من تكليف شركة (kroll) العالمية بإجراء التدقيق الجنائي، وبعد جهود كثيفة وافق مجلس الوزراء على تكليف شركة (الفاريز ومرسال)". وفوض وزير المال بتوقيع العقد معها وكان ذلك في 1 أيلول 2020 أي بعد اكثر من خمسة اشهر على صدور قرار مجلس الوزراء".

كما أكّد عون أن "(الفاريز ومارسال) وجّهت بواسطة وزير المال، 133 سؤالاً لمصرف لبنان، الذي أجاب عن 60 منها ورفض الإجابة على البقية، إما بحجة انها مخالفة لقانون النقد والتسليف أو لأن لا جواب لديه".

وأضاف: "في 20 تشرين الأول من العام الماضي جددت الشركة توجيه الأسئلة لمصرف لبنان وبقيت من دون جواب".

كما اعتبر عون أن "التدقيق الجنائي واجه عراقيل عدة كنا نفككها تباعاً. لقد تذرّعوا بأن قانون السرية المصرفية يمنع التدقيق، فوجّهت رسالة الى المجلس النيابي وكان جوابه ان حسابات المصرف المركزي خاضعة للتدقيق الجنائي. ذهبنا ابعد من ذلك، فأقر مجلس النواب قانوناً يقضي بتعليق العمل بقانون السرية المصرفية لمدة سنة".

وأضاف: "كل هذه الخطوات تمّت، واستمرت العرقلة الى ان اعترف وزير المال من بضعة أيام ان المصرف المركزي يمتنع عن الإجابة على عدد كبير من أسئلة شركة (الفاريز ومارسال). لقد صار واضحا ان هدف المماطلة هو دفع الشركة الى اليأس لتغادر لبنان وتوقف بالتالي التدقيق الجنائي ويفلت المجرمون من العقاب".

ثمّ توجّه عون مباشرة إلى اللبنانيين، محذراً من أن "سقوط التدقيق الجنائي يعني ضرب المبادرة الفرنسية لأن من دونه لا مساعدات دولية ولا مؤتمر (سيدر) ولا دعم عربي وخليجي ولا صندوق دولي".

وتابع: "إن التدقيق الجنائي هو المدخل لمعرفة من تسبب بوقوع جريمة الانهيار المالي، وهو ليس مطلباً شخصياً لرئيس الجمهورية بل هو في صلب المبادرة الفرنسية ومطالب صندوق النقد الدولي وهو قبل كل شيء مطلب اللبنانيين جميعاً. للمودع الذي سرقت ودائعه من المصرف وتبخر جنى عمره للمريض المنتظر عند باب المستشفى ولا يملك المال لدخولها ويقال له ان اموالك محجوزة. للطالب الذي سافر لتلقي العلم وانقطع عنه فجأة تحويل الأموال من اهله. للأهل الذين ما عادوا قادرين على تأمين مصروف العائلة بسبب الانهيار وتدهور قيمة العملة الليرة. للمتقاعد الذي كان يتكل على تعويضه في البنك ليمضي بقية عمره بكرامة".
 
وتابع: "أيها اللبنانيون، أقول لكم إن بإمكانكم أن تختلفوا معي سياسياً، لكنكم تجدونني دائماً الى جانبكم بالحق. أتقدمكم في معركة كشف أكبر عملية نهب بتاريخ لبنان فكونوا معي. ضعوا خلافاتكم السياسية جانباً وثقوا بأننا لن ندعهم يسرقون الشعب ويقهرون أمّاً ويذلّون أباً ويهينون مريضاً".

وأضاف: "لن ندعهم يسقطون التدقيق الجنائي او يقضون على الدولة والشعب والتاريخ والمستقبل.

وتابع عون: "للقيادات السياسية وغير السياسية أقول: مسؤوليتكم كبيرة امام الله والشعب والقانون، وما كان ليحصل ما حصل لو لم توفّروا انتم بالحد الأدنى الغطاء للمصرف المركزي والمصارف الخاصة ووزارة المال".

وتوجّه للمصرف المركزي بالقول: "إنك تتحمل المسؤولية الأساسية لأنك خالفت قانون النقد والتسليف، وكان لزاماً عليك ان تنظم العمل المصرفي وتأخذ التدابير لحماية أموال الناس في المصارف وتفرض معايير الملاءة والسيولة".

كما قال للمصارف: "مسؤوليتكم واضحة ولا يمكن لكم أن تهربوا من الحقيقة؛ فالناس اودعوكم أموالهم، وانتم تصرفتم بها بعدم مسؤولية طمعا بالربح السريع ومن دون " توزيع مخاطر" على ما تقتضيه أصول المهنة".

وأجميع الحكومات والإدارات والوزارات والمجالس والهيئات مسؤولة عن كل قرش أُهدِر عبر السنوات، وجميعها يجب ان يشملها التدقيق الجنائي.
 
كما توجّه عون إلى "الدول التي تدّعي التضامن مع الشعب اللبناني"،بالقول: "تطالبون بالشفافية في المصرف المركزي وسائر القطاع المصرفي وبالإصلاحات المالية والنقدية، فساعدونا على كشف عمليات تحويل أموالٍ أَخذت بعد 17 تشرين الأول 2019 طابع التهريب المالي. هذه الأموال هي بالعملات الأجنبية وتم تحويلها من لبنان الى مصارف معروفة في العالم. عمليات كهذه لا يمكن إخفاؤها؛ واذا توفر القرار فنحن قادرون على معرفة من حوّل أموال اللبنانيين الى الخارج، وقادرون على التحقيق والتدقيق لنكشف ما اذا كانت هذه الأموال نظيفة، وكيف حصل عليها أصحابها، وهل من إمكانية لاسترجاعها".
 
وأضاف: "إن التدقيق الجنائي هو البداية، ولعلها معركةٌ أصعب من تحرير الأرض لأنها ضد الفاسد والحرامي اللذين هما اخطر من المحتل والعميل. فمن يسرق أموال الناس يسرق وطناً".
 
وتابع قائلاً: "أيها اللبنانيون، انتبهوا، إنّ اسقاط التدقيق الجنائي هو ضرب لقرار الحكومة التي أدعوها لعقد جلسة استثنائية لاتخاذ القرار المناسب لحماية ودائع الناس، وكشف أسباب الانهيار وتحديد المسؤوليات تمهيداً للمحاسبة واسترداد الحقوق".
 
وأضاف: "أنا ميشال عون رئيس الجمهورية والجنرال الذي تعرفونه، اناديكم، لا لتكونوا معي، بل لتكونوا مع أنفسكم ومع مستقبل اولادكم، ودعونا نكشف معاً الحقائق لنسترجع الحقوق".
 
وختم: "لاحقين نختلف بالسياسة، نعم للتدقيق الجنائي كي تعيشوا ويعيش لبنان".