الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 26 °

جولة سياحية لمواقع بربر آغا تستعيد ميزاتها العمرانية

المصدر: "النهار"
قلعة بربر آغا
قلعة بربر آغا
A+ A-
 
تتميز السياحة التاريخية بأنها تجمع بين المتعة والترفيه والثقافة، وتمنح الزائر فرصة التعرف إلى حضارة كل بلد وعراقته. ولعشاق السياحة التاريخية نماذج ثلاثة من الآثار اللافتة لوالي طرابلس بربر آغا في جولة سياحية عليها حيث يقع كل منها في منطقة من المناطق.
 
القلعة
 
مطلع القرن التاسع عشر، تولى بربر آغا إيالة طرابلس واللاذقية، وعام ١٨١٢، تملك قطعة أرض تناهز مساحتها الثمانية آلاف متر مربع، على قارعة طريق عام بلدة إيعال المؤدي إلى مزيارة بقضاء زغرتا، وبنى عليها مقره، أي القلعة التي تحمل اسمه.
 
 
تقع القلعة على تلة مشرفة تطل على قضاء الزاوية اليوم، بلوغاً إلى مستوى البحر المتوسط حيث تقع مدينة طرابلس التي أوكل ولايتها.
 
مقار الولاة العثمانيين جمعت عادة بين العسكري، والإداري، والسكني، فالوالي مهمته حكم منطقة، وجمع الإتاوة منها، والدفاع عنها من الهجومات الخارجية، ولذلك كانت إقامة الوالي في قصر هو قلعة في العادة، تؤدي كافة الأدوار المطلوبة من الوالي.
 
مبنى كبير يمكن الوصول إليه عبر عدة درجات حجر غير مقصوب، وعبر ممر ترابي، فساحة كبيرة فيها شجرة معمرة، توحي بأن الساحة كانت مجلسا جميلا مطلا على مختلف المناطق المحيطة بها حتى مسافات بعيدة.
 
 
باب القلعة خشب مدروز بمسامير الفولاذ، سميك، يصعب فتحه، ومنه إلى فسحات وممرات توصل بين أقسام القلعة، وردهاتها، وداخلها مستودعات للأسلحة والذخائر، والمؤن، ومنامات الجنود، واسطبلات الخيول، ومجالس الحكم، وصالات استقبال الوفود والضيوف. ويظهر بناء مرتفع على سطحها يبدو كأنه برج للمراقبة، وقسم من القلعة الخارجي فيه عدد من البيوت.
 
جدرانها الغربية والجنوبية مرتفعة أكثر من عشرة أمتار دون مداخل، تحيلها محصّنة، وتجعل من إمكانية اقتحامها أمرا صعبا، ولوحظ وجود تشكيلات بنيانية فوق كل مدخل، تشكل نوعا من الحراسة حيث تثبت فيها السيوف المسننة المربوطة بأحزمة، وعند اقتراب أي شخص غير مرغوب فيه من المدخل، يقطع الحزام، فيقع السيف على رأس الشخص.
 
 
ومن جهة المدخل، وعند أطراف الباحة الخارجية، صف من فتحات عريضة من الداخل رفيعة من الخارج هي فتحات رماة الأسهم، وربما النيران من أسلحة تعتمد البارود، لحمايتها من الهجمات، وتتمايز عن فتحات القلاع الصليبية التي شيدت قبل قرون سابقة، بقصر ارتفاعها، حيث لا تزيد على أربعين سنتمترا، بينما تزيد فتحات القلاع الأخرى على سبعين سنتمترا. 
 
ثمة مدخل جانبي جنوبي، قربه سبيل ماء من حجر مقصوف ومنحوت، يطل على البيوت التابعة للقلعة التي تسكنها بقايا ورثة الوالي وأنصاره.
 
ورغم أنها قلعة كبيرة، إلا أنها لم تحظ بشهرة القلاع الشبيهة بها، والقريبة من مستواها البنياني، والموقع، والدور.  
وبحسب مراجع تاريخية، فإن بانيها هو والي طرابلس مصطفى آغا بربر، المتميز بأنه ابن البلد أولا، والوالي الوحيد الطرابلسي الأصل الذي تولى ولاية طرابلس. وكان يؤمن الأجواء الطيبة للعلاقة بين المسلمين والنصارى، وكان له هيبة خاصة، وشخصية خاصة اتسمت بالفروسية، حكم بالعدل، فأحبه الناس، وتجاوبوا معه".
 
 
الباكية
 
الموقع الثاني من أعمال بربر آغا هو ما تعارف الناس عليه أنه الباكية، وهو مقر أصغر من القلعة، يقع في بلدة برسا في الكورة، حيث ولد بربر ونشأ في عائلة متواضعة الحال، إلى أن تدرج بعمله، وطموحاته، وقام بكل ما يمكنه من التقدم في عصره من الحراسة، وحمل السلاح، والرماية، إلى أن أثبت كفاءة تدرج عبرها بعدة وظائف ومراتب، ومتى تيقن السلطان العثماني من قدرته وخبرته، عيّنه والياً.
 
الباكية تلعب دورين، الأول كمستراح للوالي يتنقل بينه وبين القلعة الأم في إيعال، وتوجد فيه صالة واسعة، يستند سقفها إلى قناطر عادية، وفيها مدخنة تدفئة في الجدار، وعلية ترتفع مترا ونصف المتر عن أرضية الصالة، تطل من نافذة على البساتين التي تحف بالبناء، وتتلقف النسائم الجميلة صيفا.
 
 
الدور الثاني للباكية أنها كانت في قسم منها سجنا، فخصصت إحدى الردهات الواسعة للعب هذا الدور، وهي ردهة مقفلة بالتمام، ترتفع زهاء ستة أمتار، ولا يمكن الدخول إليها إلا عبر فتحتين في السقف، مما يعني أن الداخل إليها مفقود، ويصعب إخراجه إلا من واحدة من الفتحتين. 
 
وتذكر الروايات الشعبية المتداولة أن الفتحتين استخدمتا لشنق المجرمين الكبار.
 
بسبب هذا الدور القاسي على مخالفي النظام، والمجرمين، سمي المبنى بالباكية لأن النساء من زوجات وأمهات وشقيقات كن يزرن السجناء الذين يخصونهن، ويقضون الوقت بكاء عليهم، حيث تتعذر رؤيتهم، ونادرا ما كان أحدهم يخرج حيا بعد دخول السجن. 
 
المبنى طبقة واحدة من حيث المبدأ، وفي جدرانه فتحات متطاولة وضيقة عموديا بأطوال مختلفة، لا تتعدى الخمسة عشر سنتمترا عرضاً، هي فتحات للدفاع عن الموقع من الداخل في حال تعرضه للهجوم. الطويل منها استخدم فيه القوس والنشاب، والقصير استخدمت فيه بنادق صغيرة. وفي الموقع صالات إقامة وردهات واسعة من الحجر المعقود، سماكة جداره تناهز المتر ونصف المتر.
 
 
القصر
 
الموقع الثالث الخاص ببربر آغا يقع داخل الأسواق القديمة في طرابلس، وقد كان الموقع تابعا لآل سيفا الذين حكموا طرابلس وعكار قبل تلك الفترة، واتخذ منه بربر آغا مقرا له في المدينة القديمة.
 
المبنى الذي ما زال متبقيا حاليا من قصر آل سيفا القديم الذي أتى عليه توسيع الطريق العام، يتشابه بما يحف به من بيوت، ويمكن الصعود إليه عبر سلم حجر طويل من مفترق يبعد أقل من مئة متر عن تقاطع طلعة الرفاعية، يسكنه اليوم بعض أهالي المدينة، وفيه صالة مرتبة، تقوم تحت قنطرة كبيرة، وفي الأبواب والداخل أحجار متناوبة اللون، ومصقولة ومتداخلة بترتيب.
 
الموقع الثالث مجهول للعامة بالتمام، وقلما قصده سياح، ولم يدرج على لائحة السياحة الطرابلسية الداخلية.
 
 
 
 
 
الكلمات الدالة