السبت - 28 أيار 2022
بيروت 22 °

إعلان

أبعد من السياسة... القرم ملهمة بوشكين وتشيخوف

المصدر: النهار
القرم ماسة يطوّقها البحر الأسود
القرم ماسة يطوّقها البحر الأسود
A+ A-
حين أهدى الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف عام 1954 شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا، خالف سلفه اللدود ستالين الذي لم يتخلًّ عنها، فمن يحكم القرم يحكم البحر الأسود، ومن ورائه نصف العالم. وكيف لا! فهي التي حضنت مؤتمر يالطا وجمعت ستالين وروزفلت وتشرشل لتشهد على تقسيم أوروبا جغرافيًا، والعالم أيديولوجيًا إلى معسكرين شيوعي ورأسمالي!. سقط المعسكر الشيوعي، وانفلتت معظم دول شرق أوروبا من قبضته حتى روسيا نفسها لم تعد تسير على هديّه.
ومهما يكن من مصالح سياسية وأطماع اقتصادية ورغم الحرب المشتعلة في أوكرانيا، فإنّ القرم التي صاغتها الطبيعة على شكل ماسة برّاقة يطوّقها البحر الأسود، تعيش حالة سلام، تحكي مدنها ومعالمها تاريخًا كتبت في سطوره ازدهارات وانكسارات، قصص عشق حزين شكّلت مصدر إلهام تولستوي وبوشكين وتشيخوف. حملت الجزيرة أسماء عدة عبر التاريخ، وبحسب محتليها، ورغم أنها أُفلتت من قبضة العثمانيين وأصبحت جزءًا من روسيا في عهد الامبراطورة كاثرين، فإن المفارقة هي غلبة الاسم التركي القُرم وتعني القلعة أو الحصن.
 
قلعة عش السنونو وأسطورة: ومن الحب ما قتل
 
 
من قوانين الطبيعة أن كائناتها تحرّكها الغريزة، فتتصرّف وفق نظامها غير آبهة بالإنسان العاقل. وهذا ينطبق على قلعة،عش السنونو، التي شُيّدت على النمط القوطي لتكون تحفة فنية تشهد على الابداع الانساني، فيما اختارت طيور السنونو سقوفها لتبني فيها أعشاشها، وتفرض اسمها عليها. تتكأ القلعة على جرف أفرورينا في رأس إي- تادور الواقف بشموخ فوق البحر الأسود على أطراف بلدة غاسبرا الساحلية والتي تبعد 30 كلم عن مدينة يالطا ، وتبدو القلعة أيقونة الساحل الجنوبي في شبه جزيرة القرم. تضم القلعة مطعمًا إيطاليًا فخمًا.
أما الأسطورة المنسوجة حولها، وعلى ذمة سكان القرم، فتقول إنه عام 1895 أحضر جنرال روسي أسيرة رائعة الجمال، وقع في حبّها ولتكريمها أمر ببناء هذا القصر الفريد على جرف البحر لأجلها. ومن غير المعروف ما إذا كانت هذه الشابة قد بادلته الحب، لكن ما أن عاد الجنرال الروسي من المعركة جريحًا مضرّجًا بالدماء ، لم يجد محبوبته، يقال إنه ربما هربت مع المهرّبين الأتراك أو قفزت من على الجرف ولم تتحمل الانتظار.
 
بلاط بختشي سراي وقصيدة بوشكين
 
 
في مدينة بختشي سراي وتعني مدينة الحدائق يقف قصر الخان الشاهد على مجد خانات التتار ودمار الغزاة، وأنت تجول بين أروقة هذا البلاط سوف تشعر بخطوات آخر خان غادر المدينة عام 1783 ، قبل تقدم القوات الروسية . رغم أن كاثرين الثانية دمّرت معظم مساجد بختشي سراي وقصورها، فإنها لم تجرؤ على تدمير هذا القصر الرائع، بل قرّرت المبيت فيه خلال رحلتها إلى شبه جزيرة القرم عام 1787. تحتشد في هذا القصر الحدائق والنوافير لتبعث نسمات باردة بين الأروقة وغرف الانتظار حيث تحتمي همسات نساء الحريم، فيما صمت الجبال الصحراوية التي تحيط بسكن الخانات يوحي إليك بأنها شخوص تراقب تقلبات الزمن وأمزجته.
تقف عن البوابة الحديدية وهي أقدم جزء في القصر ، ويرجع تاريخها إلى عام 1503 وهي تحفة فنيّة من أعمال فنان إيطالي، تخفي ورائها حديقة القصر الرائعة، والهادئة بشكل مذهل ... خصوصًا عندما لا تكون مكتظة بالسياح. يتوسط الحديقة ينبوع الدموع، الذي صنعه فنان فارسي بناءً على طلب أحد آخر الخانات، كريم جورا، الذي قيل إنه أصيب بالجنون من الحزن بعد وفاة خطيبته. ألهمت هذه النافورة بوشكين في قصيدته "ينبوع باختشي سراش". تم تحويل جزء كامل من القصر إلى متحف حيث يمكنك مشاهدة نماذج من الأزياء والأشياء الداخلية للخانات.
 
قرية ليفاديا
 
 
هي المقر السابق للقياصرة، يعود تاريخ متنزّهها الذي تبلغ مساحته 40 هكتارًا وقصره إلى عام 1840، عندما كانت القرية ملكًا للكونت بوتوتسكي. وبعد أن أصبحت ليفاديا في قبضة العائلة المالكة عام 1860، تم تكليف المهندس المعماري مونيغيتي ببناء قصرين آخرين. يضم المتنزه أحواض سباحة واسطبلات وبستان برتقال رائع. ولكن قام القيصر نيكولاس الثاني عام 1911 بتدمير القصر وعهد إلى المهندس المعماري الخاص به، كراسنوف، بإعادة بناء مسكن أكثر حداثة، على طراز عصر النهضة. كانت نتيجة هذا العمل أنماطًا معمارية متناقضة: الجدران البيضاء والنباتات المبهرة ، والقوالب الكلاسيكية والفسيفساء العربية ، والشمس الحارقة والنوافير النقية والمنعشة. في ذلك الوقت، كان المبنى الرئيسي مزودًا بالكهرباء ومصعدًا وهاتفًا. بعد ثورة أكتوبر، أصبح القصر مصحة للعمال الاشتراكيين. هنا أقام الشاعر ماياكوفسكي والكاتب غوركي بين عامي 1927 و 1928. خلال الحرب العالمية الثانية، نهبه الألمان وحرقوا معظم المباني.
 
يالطا هنا بدأت الحرب الباردة وهنا أقام تولستوي وتشيخوف
 
 
غالبًا يرتبط اسم المدينة بمؤتمر يالطا الذي غيّر وجه العالم الحديث، ولكنها مدينة وادعة وحالمة تستريح على الساحل الجنوبي للقرم، محاطة بسلسلة جبال بشكل نصف دائري، يصب فيها نهرا اوتشانسو ويريكويكي لينزلقا في بعض المنحدرات المرتفعة على شكل شلالات تراها من بعيد وأنت في قلب المدينة.
 
وأبعد من السياسة، فإن يالطا في القرن التاسع عشر كانت منتجعًا عصريًا للأرستقراطية الروسية ونبلائها. وهنا أمضى ليو تولستوي الصيف، واشترى أنطون تشيخوف عام 1898 منزلاً فيه، حيث عاش حتى عام 1902، فكانت مصدر إلهامه وكتب قصة السيدة صاحبة الكلب "The Lady with the Dog"، ومسرحيات بارزة منها الشقيقات الثلاث The Three Sisters.
كانت المدينة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالملوك. ففي عام 1889، انتهى القيصر ألكساندر الثالث من بناء قصر ماساندرا على بعد مسافة قصيرة من شمال يالطا على هضبة صغيرة تشرف على المدينة ليكون المقر الصيفي للعائلة المالكة، وقد تحوّل راهنًا إلى متحف. فيما أمر نيكولاس الثاني ببناء قصر ليفاديا على الساحل جنوب غرب المدينة عام 1911. تصوّر التناقض الذي يرمز إليه هذا القصر. فهنا استضاف مؤتمر يالطا الشهير في شباط /فبراير 1945، وتخيّل أن تشرشل وستالين وروزفلت يجتمعون هنا يخلقون عالمًا جديدًا يشبههم، ينتهي عام 1989 .
وهكذا تتناقض قسوة القرارات السياسية، ولاسيّما تقسيم أوروبا معسكرين، مع المكان المثالي للقصر الذي يشرف على البحر الأسود حيث كان نيكولاس الثاني يجول في المكان مع ضيوفه من العائلات المالكة في أوروبا، في جو من السلام غير المستقر في صيف عام 1914.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم