الأحد - 01 تشرين الثاني 2020
بيروت 25 °

إعلان

هل يصبح مصير الأسد على المحكّ لو فاز ترامب مجدّداً؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أ ف ب).
الرئيس الأميركي دونالد ترامب (أ ف ب).
A+ A-
 
 
في 12 أيّار 2020، قال الموفد الأميركيّ إلى سوريا جايمس جيفري إنّه يريد تحويل سوريا إلى "مستنقع" للروس. بالمقابل، يبدو أنّ الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين يريد أن "يصعّب الحياة قليلاً" على الأميركيّين في شمال شرق البلاد بحسب البعض. 
يوم الجمعة، أعلن الجيش الأميركيّ نشر عربات مصفّحة ومقاتِلة من طراز "برادلي" شمال شرق سوريا لحماية القوّات الأميركيّة وسط تصاعد التوتّر مع روسيا. جاء ذلك بعد جرح أربعة جنود أميركيّين عقب حادثة صدم متعمّد قامت به ناقلة جنود روس ضدّ عربة مصفّحة أميركيّة الشهر الماضي. شوهدت هذه العربات في تشرين الأوّل 2019، بعدما أجرى الأميركيّون إعادة انتشار وتوجّهوا صوب أقسى شرق البلاد للسيطرة على آبار النفط. 
 
وقال الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الجمعة "إنّنا خارج سوريا" مضيفاً أنّ الأميركيّين الموجودين هناك يقومون ب "حماية النفط" حصراً. بينما قال الناطق باسم قوّات التحالف الكولونيل واين ماروتو إنّ إرسال هذه العربات تمّ من أجل "الحفاظ على حرّيتها بالتنقّل حتى يمكنها مواصلة عمليّات هزم داعش بطريقة آمنة".
 
لم يكن هذا الصدام الأوّل من نوعه في تلك المنطقة. وتحدّث مسؤول أميركيّ لشبكة "سي أن أن" قائلاً إنّ هذه التحرّكات والتعزيزات هي "إشارة واضحة إلى روسيا كي تلتزم بمسارات فكّ النزاع المشتركة وإلى روسيا وأفرقاء آخرين كي يتفادوا تحرّكات استفزازيّة غير مهنيّة وغير آمنة في شمال شرق سوريا".
 
يتحدّث المسؤولون الأميركيّون عن "استفزازات" روسيّة في أكثر من منطقة حول العالم. لكنّ الحوادث في سوريا تلفت الأنظار أكثر بما أنّ تلك البلاد تحوّلت إلى ساحة مفتوحة للمواجهة بين الطرفين. ومع ذلك، ليست روسيا على الأغلب في وارد الضغط على الولايات المتّحدة من أجل إبعادها عن الساحة السوريّة. على الأقلّ، لم تكن هذه نيّة موسكو عندما دخلت النزاع السوريّ سنة 2015، بحسب الباحث في "المجلس الروسيّ للشؤون الدوليّة" مكسيم سوشكوف.
 
الأسد واللعب على التناقضات
 
في حديث على المدوّنة الصوتيّة لموقع "ألمونيتور"، ذكر سوشكوف كيف دعا الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين العالم إلى الاتّحاد من أجل مواجهة داعش مثلما اتّحد لمواجهة النازيّة، خلال كلمة له في الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة قبل أيّام على بدء مشاركته في النزاع السوريّ. 
لكن بعدما واجه رفضاً غربيّاً وأميركيّاً لهذه الدعوة، توجّه بوتين إلى التحالف مع القوى الإقليميّة مثل تركيا وإيران من أجل منع الأميركيّين من تحقيق أهدافهم في سوريا. بالتالي، إنّ ما يحدث في شمال شرق البلاد هو محاولة لتصعيب الحياة قليلاً على الجنود الأميركيّين، بحسب سوشكوف، من دون أن يعني ذلك التخلّي عن أمل باحتمال التوصّل إلى "صفقة كبرى" لموسكو مع واشنطن. فبصفقة كهذه، بإمكان روسيا التموضع كقوّة كبرى قادرة على إنجاز التسويات.
 
قال سوشكوف إنّ هذا الأمل هو "تفاؤل حذر" لدى الروس يمكن أن يتحقّق إذا أعيد انتخاب ترامب رئيساً لولاية ثانية. لو حدث ذلك وتوصّل الطرفان إلى تسوية في الملفّ، فقد تعمد روسيا إلى إقناع الرئيس السوريّ بشّار الأسد بالقبول ب "فترة انتقاليّة ليّنة" تسمح بمجيء شخصيّة ترضى عنها النخب ومختلف الفصائل وتحظى بموافقة غربيّة. لن يكون الأمر سهلاً ولا مجّانيّاً. فالأسد "شريك غير سهل" وقد أجاد اللعب على التناقضات الإيرانيّة والروسيّة من أجل الاستمرار بالحكم، وفقاً للباحث نفسه. 
 
ومع ذلك، ذكرَ أنّ روسيا تدرك حدود الأسد في المناورة، لأنّه إن لم يقم بالإصلاحات في الجهاز الأمنيّ الذي تملك إيران نفوذاً كبيراً فيه، فسيفقد الدعم الروسيّ ولن يستطيع السيطرة على كامل البلاد. واستذكر سوشكوف كيف ردّ بوتين على سؤال صحافيّ فرنسيّ حول علاقة الأسد بالغرب مشيراً إلى أنّ الأسد أجرى أكبر عدد من الزيارات إلى العواصم الغربيّة قبل اندلاع الأزمة. وفي ذلك تلميح إلى أنّ الأسد تحالف مع موسكو بعد اندلاع النزاع لأنّه لم يملك خياراً آخر. 
 
بداية غرق في المستنقع؟
 
تبدأ الإشكاليّة في مقاربة ترامب للملفّ السوريّ ممّا يسمّيه البعض غياباً للرؤية الأميركيّة. في الواقع، رأت الباحثة في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" عُلا الرفاعي أنّ السياسة الوحيدة التي تملكها واشنطن في سوريا هي "تأمين حقول النفط". وكتبت في صحيفة "واشنطن بوست" في كانون الأوّل الماضي، أنّ فرض عقوبات وفقاً ل "قانون قيصر" يفقد أهمّيّته وسط غياب سياسة سوريّة واضحة. لكن ما تقترب فيه من توقّعات سوشكوف هو قولها مؤخّراً في منتدى المعهد الافتراضيّ إنّ "موسكو وطهران قد تملّان من صفقته (الأسد) الخاسرة إذا استمرّ في إثبات عدم قدرته على قبول سيناريوهات مربحة للطرفين".
 
قد يكون هنالك شكّ أكبر في إمكانيّة توقّع "ملل" الإيرانيّين من الأسد، بما أنّهم استثمروا بالكثير من الأموال والدماء لتعويم حكم الأسد. أمّا الروس فقد يكونون أكثر انفتاحاً على مناقشة مصيره، بعدما رسّخوا موطئ قدمهم شرق المتوسّط. وتملك روسيا اليد العليا حاليّاً تجاه إيران بما أنّها تدافع عنها في مجلس الأمن لجهة مواصلة رفع الحظر عن تصدير السلاح إليها المتوقّع أواسط الشهر المقبل. وتنظر طهران إلى موسكو على أنّها مصدر أساسيّ لتحديث ترسانتها العسكريّة في المرحلة المقبلة.
 
يبدو أنّ ما قاله جيفري في أيّار، بدأ يتحقّق بجزء أو بآخر. العقوبات على سوريا وإيران وروسيا تجمّد أيّ قدرة جدّيّة للدولتين على تمويل إعادة الإعمار، كما أنّ معاناة لبنان من ضائقة اقتصاديّة خانقة أثّرت هي الأخرى على الاقتصاد السوريّ. ومع ظهور تشقّقات في القيادة واضطرابات أمنيّة في جنوب البلاد، تصبح الأزمة أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الروس. 
 
من كسب الحرب إلى كسب السلم... الطريق الشائك
 
بعد حوالي أربع سنوات على سقوط حلب، المنعطف الأساسيّ في الحرب لصالح روسيا وحلفائها، لا تزال موسكو عاجزة عن تسييل انتصارها العسكريّ سياسيّاً. أو بعبارة أخرى يستخدمها سوشكوف، برز دوماً تساؤل عمّا إذا كانت روسيا قادرة على كسب السلم كما كسبت الحرب. هل تستطيع موسكو تحقيق هذا الإنجاز مع ترامب؟ لا تتوفّر الإجابة حاليّاً إلّا عند المقارنة مع فوز بايدن الذي قد يكون أكثر تشدّداً في سوريا، أكان بالنسبة إلى العودة لشعار "على الأسد الرحيل" أو بالنسبة إلى الردّ على الاستفزازات الروسيّة وربّما أيضاً باستخدام القوّة العسكريّة وفقاً للباحث نفسه.
 
يمكن استنتاج أنّ الصورة الأوّليّة لنظرة واشنطن إلى هذا الملفّ لن تختلف كثيراً بين الرئيسين ترامب أو بايدن: ستظلّ الدعوة إلى حلّ سياسيّ ومرحلة انتقاليّة قائمة على القرار 2254 هي نفسها. ما قد يختلف فقط هو أسلوب التعاطي مع الروس الذين يفضّلون على الأرجح التعامل مع ترامب لأنّهم يعرفونه جيّداً كما لأنّه يمكن أن يقدّم لهم تسوية تحفظ لهم ماء الوجه في سوريا. أمّا إذا جاء بايدن إلى الرئاسة، وبذهنه "الانتقام" من الكرملين بسبب "دعمه" ترامب في 2016، فقد تصبح التسوية أصعب في سوريا، كما في أماكن أخرى. وعندها، سيثار التساؤل من جديد عن قدرة بوتين على تحمّل مراوحة قاتلة لأربع سنوات إضافيّة.
 
 
 
 
 
 
الكلمات الدالة