الأربعاء - 16 حزيران 2021
بيروت 23 °

إعلان

أين أميركا وأوروبا من التصعيد الإسرائيلي؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
القصف الإسرائيلي العنيف على قطاع غزة، 12 أيار 2021 - "أ ب"
القصف الإسرائيلي العنيف على قطاع غزة، 12 أيار 2021 - "أ ب"
A+ A-

أتيحت للرئيس الأميركيّ جو بايدن فرصة ثمينة في إنهاء التصعيد الإسرائيليّ في القدس المحتلّة وغزّة، لكنّه لم يستفد منها، أقلّه لغاية الآن. لم يرَ في التدخّل أيّ فائدة بسبب عدم نضوج ظروف التسوية، كما بسبب عدم رغبته في تشتيت جهوده الديبلوماسيّة المنصبّة أساساً على العودة إلى الاتّفاق النوويّ، وفقاً لتحليلات البعض. يمكن إضافة أسباب مرتبطة أخرى بالملفّ كعدم وجود نيّة لدى بايدن في الضغط على إسرائيل إذ لا يمكنه مواجهتها مرّة عبر المفاوضات مع إيران ومرة ثانية عبر الضغط عليها لوقف القصف. لكن في نهاية المطاف، سيكون على بايدن التحرّك مع تصاعد الرأي العام العالميّ المناهض للقصف الإسرائيلي.

دعا بايدن إلى خفض التصعيد في الشرق الأوسط. وقال إنّه يتوقّع إجراء المزيد من المحادثات مع قادة المنطقة. كذلك، أيّد "حقّ إسرائيل بالدفاع عن نفسها"، لكنّه أعرب عن أمله بوقف العنف "عاجلاً لا آجلاً". ليس في هذه الكلمات ما يوحي بوجود مبادرة أميركيّة تجاه الأزمة. يبدو أنّ بايدن يفضّل تأجيل المشاكل بدلاً من مواجهتها. لكنّ ذلك سينعكس سلباً على الدور الرياديّ العالميّ الذي تعهّد الرئيس تعزيزه خلال حملته الانتخابية.

يعتقد دايفد واينر من شبكة "بلومبيرغ" أنّ بايدن يُجرّ إلى "دوّامة" لطالما أراد تفاديها. من أبرز الأمثلة التي سردها من أجل الإشارة إلى عدم إيلاء الإدارة الأولويّة لهذا الملفّ، عدم تعيين الولايات المتحدة سفيراً لها في الأراضي المحتلة. وفي وزارة الخارجية، لا يزال منصب مساعد وزير الخارجيّة لشؤون الشرق الأدنى شاغراً. والأمر نفسه يسري أيضاً على منصب الممثّل الأمريكيّ الخاص لشؤون المنطقة، على الرغم من أنّ بايدن عيّن موفدين خاصّين إلى القرن الأفريقيّ وشؤون التغيّر المناخيّ.

بشكل أكثر دقّة، وفّر التصعيد الإسرائيليّ الأخير فرصة لبايدن كي "يضرب عصفورين بحجر": قيادة حملة ديبلوماسيّة دوليّة متعدّدة الأطراف تعتمد خصوصاً على التعاون مع الأوروبّيّين لإيجاد تسوية، وإبداء نوع من التمايز مع سلفه دونالد ترامب. وكلتا الحالتين تجسّدان تعهّدات انتخابيّة لبايدن. سألت "النهار" الزميل البارز في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لـ"المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجيّة" هيو لوفات عن أسباب عدم انتهاز بايدن لهذه الفرصة.

 

من غياب الاستعداد إلى شراء الوقت

أجاب لوفات أنّه "من غير الواضح بالضبط سبب تأجيل الإدارة الأميركية التحرك الدولي عبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، من خلال صدّ جهود لإصدار بيان مشترك عن أعضاء المجلس وتأجيل الاستشارات حتى الأحد على الأقلّ. بالحدّ الأدنى، قد يعكس هذا افتقار الولايات المتحدة الخاص للاستعداد. لم تولِ هذه المسألة الأولوية منذ استلام السلطة معتقدة بعدم وجود أفق جدي لإعادة إطلاق محادثات سلام قابلة للحياة".

وبعد ذكره الشواغر التي تملأ الإدارة في المناصب ذات الصلة بالقضيّة، أشار لوفات إلى أنّه من الواضح بشدّة تلكّؤ بايدن الشديد في أيّ استثمار سياسيّ حقيقيّ في هذا المسألة وخوض صراعات مع إسرائيل بالنظر إلى أولوياته الداخلية والخارجية الأخرى، من بينها تجديد الاتفاق النووي مع إيران. واستهلكت القضية الأخيرة الكثير من العلاقات الأميركية-الإسرائيلية وفقاً لرأيه.

من التفسيرات المحتملة الأخرى، دائماً بحسب لوفات، نية الولايات المتحدة شراء الوقت لإسرائيل من أجل تحقيق أهدافها العسكرية أو توجيه ضربة لحركة "حماس". ويشبّه لوفات هذا الأمر بما حصل خلال عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الابن الذي حمى إسرائيل من الضغط الدولي سنة 2006 من أجل تمكين تل أبيب من تصعيد حملتها العسكريّة ضدّ "حزب الله" ولبنان في حرب تمّوز.

على الرغم ممّا سبق، يمكن أن تقف بعض الأسباب الموضوعيّة خلف تردّد الإدارة الحاليّة إزاء التحرّك. عموماً، تابع لوفات، إنّ إمكانات الولايات المتحدة محدودة في هذا الإطار، بما أنّها لا تملك علاقات مع "حماس". لهذا السبب، هي لا تستطيع التوسّط لوقف إطلاق النار. "ما تستطيع فعله، هو الضغط على إسرائيل لوقف تصعيدها والتحرّك صوب وقف لإطلاق النار. لكنها إلى الآن لم تكن راغبة بفعل ذلك".

 

ماذا عن نفوذ أوروبا؟

سألت "النهار" لوفات عمّا بإمكان الاتّحاد الأوروبّي أن يفعله بغياب واشنطن. يؤكّد لوفات بداية أنّ الولايات المتحدة تبقى طرفاً "لا غنى عنه" حين يرتبط الموضوع بمفاوضات السلام الفلسطينية-الإسرائيلية، لأسباب ليس أقلها عدم سماح إسرائيل لناظم أو وسيط آخر بالتدخل، وبسبب تمتّع الأميركيّين بالقوّة والنفوذ السياسيّ. مع ذلك، "من الواضح أنّ الولايات المتحدة لا يمكنها أن تنجح في هذا المسعى بمفردها".

بالتالي، إن الاتحاد الأوروبي هو شريك مهم في دفع مسار السلام قدماً ويتمتّع بنفوذ خاص به تجاه الإسرائيليين والفلسطينيين. وهنالك نطاق أكبر لتحرك أوروبي مستقل، بشرط أن تتوفر النية لدى بروكسل وهو ما يستبعده لوفات. بإمكان أوروبا دعم المصالحة الفلسطينية وإعادة التوحد وتعزيز الديموقراطية بالنظر إلى أنها أكبر مموّل للفلسطينيين والسلطة الفلسطينية. وأوضح أنّ هذا الأمر يستطيع فعل الكثير على صعيد عكس الاتجاهات السلبية الطويلة المدى في السياسات والمؤسسات الفلسطينية، ممّا يمكّن وضعَ الفلسطينيين على أرضيّة سياسيّة أفضل تحسّباً لمفاوضات سلام مستقبلية، بحسب ما يختم به لوفات تحليله لـ"النهار".

 

بايدن و"منطقة الأمان"

يبدو أنّ الأسباب/الذرائع التي تمنع بايدن من التحرّك متعدّدة للغاية. حتى أنّ واينر من شبكة "بلومبيرغ" لا يستبعد الخوف من الفشل كأحد العوامل التي تدعو بايدن إلى عدم بذل جهد خاصّ لحلّ النزاع.

لكنّ الخوف من الإخفاق ليس سياسة دولة عظمى. كذلك الأمر بالنسبة إلى محاولة تفادي الأزمات. فالسياسة الخارجيّة ليست في الأساس علم خرائط يعطي القادة التوجيهات للالتفاف حول تلك الأزمات، بحسب ناشر مجلّة "فورين أفيرز" جدعون روز. عادة ما تهدف السياسة الخارجية إلى تدريب القادة، من قبل المنظّرين السياسيين، على خوض سباقات خطيرة على أراض مجهولة إلى حدّ بعيد. وهذا يعني أنّ بايدن لا يستطيع البقاء في "منطقة الأمان" وتوقع أن يتذكّره العالم كرئيس أعاد الولايات المتحدة على السكة الدولية الصحيحة.

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم