السبت - 04 كانون الأول 2021
بيروت 17 °

إعلان

هل من الضروري تبنّي المرأة نمط تفكير الرجل عندما تطالب بحقوقها؟

المصدر: "النهار"
حملة مش حرف ناقص
حملة مش حرف ناقص
A+ A-
غسان صليبي
 
(مواكبةً لحملة "النهار" حول "المرأة اللبنانية مش حرف ناقص")
 
في بلدي لبنان وعند أشقائه العرب، ليس كافيا على الاطلاق ان تكون إنسانا حتى يُعترَف لك بحقوق، كالحرية والمساواة والمواطنة، او بالحق في العمل والسكن والتعليم والصحة والخدمات العامة والامن والعدالة.
 
لا يكفي عندنا ان تكون إنسانا كي تستحق الحقوق او بعض فتاتها، بل يجب ان تكون مفيدا، مفيدا لهم ولورثتهم. وان تبقى في الخدمة في حياتك وفي مماتك، عند الله والوطن والمذهب والعائلة والرجل والسياسة والاقتصاد والزعيم ورجل الدين والعسكري والرأسمالي.
 
اذا كنت عاملا او موظفا، فعليك، لكي تستحق فتات الحقوق، ان تثبت انك شريك، لكن بدون شراكة في الإنتاج الذي تنتجه انت، في الشركة التي تشغّلك مشكورة بالطبع، وان تبرهن من خلال تقديم المعطيات الدقيقة حول ظروفك المعيشية، ان كل ما تحتاجه هو بعض الفلوس لإطعام عائلتك وسد حاجاتهم، الاولية فقط لا غير.
 
اذا كنت مواطنا، فعليك، من أجل أن تستحق فتات الحقوق، ان تثبت بالسلوك والطاعة، وبالاستشهاد اذا اقتضى الأمر، انك تؤمن بالله، كما يرونه هم، ومؤمن بطائفتك ومذهبك وبوكيله الشرعي او بزعيمه التاريخي، وبأولاده او أصهرته اذا اقتضى الامر ايضا.
 
اذا كنتِ امرأة، فعليكِ من أجل أن تستحقي فتات الحقوق، ان تثبتي بالإحصاءات والتحليلات التاريخية والجندرية، انك نصف المجتمع ولست نصف انسان، وأنك - و يا للاكتشاف العظيم - تساهمين في اعالة الاسرة إلى جانب الرجل، وأنه من المفيد للمجتمع أن تشاركي في التنمية الوطنية إلى جانبه طبعا.
 
نعم، يجب ان تثبتي لهم دائما وباستمرار، ولنفسك للاسف في الكثير من الاحيان، وبما يشبه العقاب اليومي، يجب ان تثبتي انك تستحقين الحقوق او فتاتها.
 
هذا النمط في التفكير وفي السلوك، الذي يفرضه الرجل من خلال مؤسسات المجتمع التي يسيطر عليها، تبنته للاسف معظم الهيئات النسائية في لبنان وفي المنطقة. حملة "النهار" التي أطلقتها ليوم واحد الاثنين الماضي، بعنوان "المرأة اللبنانية مش-حرف- ناقص"، لا تقطع مع نمط التفكير هذا.
 
فقد جرى التركيز في المقالات المرفقة بالإعلان عن الحملة، وبالاستناد الى تجارب عالمية ودراسات وإحصاءات، على اهمية مشاركة المرأة في السياسة وفي صنع السلام، بعد أن كان يجري التركيز في السابق على اهمية مشاركة المرأة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية. ربما لأننا في مرحلة الإنهيار، أصبح الكلام عن التنمية مضحكا او مبكيا هذه الأيام.
 
الدراسات والإحصاءات صحيحة، ولا جدال حول أهمية واهلية مشاركة المرأة في التنمية وفي السياسة وفي صنع السلام. لكن المشكلة هي في الاعتماد على ذلك، لإقناع الرجل والمجتمع بحقوق المرأة والمساواة مع الرجل.
 
لطالما تذمرت الحركات النسائية في العالم وفي لبنان، من حصر دور المرأة في المجتمع بـ"الوظيفة" الانجابية. فإذا بها ترد على ذلك بالتركيز على "الوظيفة" الاجتماعية والسياسية للمرأة لدعم مطلبها بالمساواة في الحقوق. نقدُ التمييز بين الجنسين، يقوم على رفض ارتباط الحقوق الإنسانية بتوزيع "الأدوار" في المجتمع بين المرأة والرجل في حقبة تاريخية معينة، أكثر مما يقوم على رفض التوزيع غير العادل لهذه "الأدوار". فالحقوق لا تستمد شرعيتها من "وظيفة" الإنسان العائلية او الاجتماعية او الاقتصادية أو السياسية، بل كما يقول الإعلان العالمي لحقوق الانسان، من "الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وحقوقهم المتساوية الثابتة".
 
الحقوق ليست "قيمة تبادلية"، تُقدَّر أهميتها بالحاجة الاجتماعية إليها أو بكونها مفيدة اجتماعيا، بل هي قيمة مطلقة متأصلة "في" الإنسان، كما ورد في الإعلان العالمي. وأثبتت التجربة أن طرح قضية حقوق المرأة من خلال محاولة اقناع المجتمع والرجل بفوائد مشاركتها السياسية أو في التنمية مثلا، لم تؤدِ إلى تزايد ملحوظ في مشاركة المرأة، خاصة على المستوى السياسي. وقد شاهدنا استمرار ممانعة مجلس النواب ورفضه إقرار الكوتا بحجج مختلفة. كما شاهدنا من قبل تدني نسبة المرشحات والمنتَخَبات النساء في الانتخابات النيابية الأخيرة.
 
ربما حان الوقت لمقاربة حقوق المرأة من منظار حقوق الإنسان ودون الحاجة إلى البرهنة، كمتسولات، عن الفوائد المجتمعية لممارسة هذه الحقوق، على مختلف المستويات. وقد تبنى دستورنا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مقدمته.
 
وإذا كان لا يزال هناك من حاجة عند البعض، لإثبات أن المرأة "انسان" كامل، مثلها مثل الرجل، وبالتالي هي تستحق كامل الحقوق، فمن المنطقي أن تكون مهمة الإثبات هذه على عاتق الرجل وليس المرأة. فالرجل يعتبر نفسه انسانا كاملا وبدون حاجة للنقاش، وفي الوقت نفسه يعترف بأنه خرج من رحم إمرأة. فهل يتقبل فكرة أن يكون ناقصا لأنه متحدر من انسان ناقص، أم عليه أن يثبت انه انسان كامل من خلال إثبات أن المرأة هي انسان كامل؟
 
مطالبة المجتمع والرجل للمرأة بإثبات أنها متساوية مع الرجل الذي انجبته، هي كمطالبة الله بإثبات انه متساوٍ مع الانسان الذي خلقه. فهل يقبل المؤمنون الذين يرفضون المساواة بين الجنسين بحجج دينية، بهذا التحدي، الذي لن ينتج منه الا الاستنتاج أن المرأة أكثر اكتمالا في انسانيتها من الرجل؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم