الخميس - 22 تشرين الأول 2020
بيروت 25 °

إعلان

عامٌ على ثورة تشرين... بعضٌ من نقد الذات

المصدر: "النهار"
ذكرى ثورة 17 تشرين ("النهار").
ذكرى ثورة 17 تشرين ("النهار").
A+ A-
حسن دبوق

لم يكن يوم 17 تشرين عام 2019 يوماً عادياً في تاريخ لبنان المعاصر، ولم يكن لأحد في هذا البلد الصغير، أن يتوقع اشتعال الشارع بشعلة أضرمتها السلطة السياسية في ثوب "معيشة المواطن اللبناني". عشية هذا النهار الذي كان يبدو عادياً، هبّت جموع من مختلف المناطق اللبنانية إلى وسط مدينة بيروت، وهتفت مطالبة بإسقاط الحكومة، التي كانت قد اقترحت على لسان وزير اتصالاتها آنذاك، ضريبة على خدمة "الواتساب"، فكان المسمار الأخير في نعشها.

عام على الثورة كما يسميها البعض، أو الانتفاضة أو الهبة الشعبية كما يسميها البعض الآخر، لكن ومع اختلاف التسميات استطاعت هذه الحركة الشعبية أن تؤثر في قرار الدولة، وتفتح الباب لحركات أخرى يمكن أن يشهدها لبنان. وبما أن لكل حركة شعبية نجاحاتها وإخفاقاتها، نتساءل... أين أخفقت الثورة؟ ولولا هذه الإخفاقات ماذا كان ينتظر لبنان؟

يرى الناشط المدني زياد عبد الصمد، أن الثورة أتت نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تحولت إلى انهيار اقتصادي مع فشل الدولة في ترتيب بيتها ومحاربة الفساد، وتدارُك هذا الانهيار، لا سيما أن مؤشراته كانت واضحة، بما في ذلك أزمة المصارف التي تمثلت حينها بعدم تسليم الودائع للبنانيين وارتفاع سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي، وما شهدته المصارف من تحركات متتالية.

لكن ومع مرور عام على هذه الثورة، ينتقد عبد الصمد بعض النقاط التي كان من الممكن إصلاحها، منها عدم قدرة الشارع على أخذ المشروعية القانونية، واقتصرت قدرته على تحقيق المشروعية السياسية عبر الحراك، وأعاد السبب إلى اتكاء السلطة السياسية على الانتخابات النيابية وبذلك اعتبار مجلس النواب هو المرجعية السياسية في البلاد وهو الذي ينتخب رئيساً ويكلف حكومة.

ويرفض عبد الصمد اعتبار أن للثورة بيتاً داخلياً مشابهاً للسلطة، فهذا الحراك الشعبي أتى متنوعاً في ما بينه، لكن هذا التنوع، وفي أماكن مختلفة، أدى إلى انقسام بين المجموعات على التوجهات الرئيسية، في وقت شهدت بعض الساحات صراعات داخلية نتيجة التشبث بالمواقع التلقليدية، ورفض الآخر، ما مثل عثرة أمام التحاور والنقاشات الهادفة.

يكمل عبد الصمد توصيفه للمشهد منتقداً اعتقاد البعض أن هذه الثورة هي حراك طبقي أنتجته أزمة اقتصادية كانت وطأتها أكبر على محدودي الدخل، فبرأيه أن وضع التحركات الشعبية في إطار واحد كان سبباً في الانقسام، ما أثر على مسارها، بينما كان من الممكن بذل جهد أوسع في سبيل تبلور برنامج سياسي موحد أو برامج متقاربة بشكل أكبر.

منذ اليوم الأول للثورة، وسّعت مجموعات حضورها وأخرى خلقت نفسها في الساحات، وكان لهذه المجموعات دور لا يستهان به في التنسيق والدفع قدماً في التحركات، إلاّ أن الناشط السياسي جيلبير ضومط يرى أن بعض تلك المجموعات التي لا يتخطى عددها أصابع اليد الواحدة، والتي شاركت في الانتخابات النيابية الأخيرة، قد أخفقت في نقاط عدة، كان أبرزها أنها لم تعمل على تطوير آليتها التنظيمية، فلم تسمح لعدد كبير من الناس في المشاركة في النشاطات الخاصة بها وهذا ما جعل منهم منغلقين على أنفسهم، أما النقطة الثانية فتمثلت بعدم قدرة هذه المجموعات على إظهار أفكارها بالشكل الكافي من خلال الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي، كما لم تستطع إبراز أشخاص مهمتهم تحفيز الناس للانضمام إليهم.

عندما يكون النقاش حول المسار الذي اتخذته الثورة بإرادة المشاركين أو ما فرض عليها، لا بد من التوقف عند نقاط عدة، وبحسب الناشط في "بيروت مدينتي" طارق عمار، فإن اعتبار أن للثورة إخفاقات، أمر غير واقعي، بل يفضل أن يسمي ما واجهه هذا الحراك الشعبي بالتحديات، والتي تمثل جلها بعدم قدرة الثوار على بناء تحالف سياسي فاعل على الرغم من العديد من المبادرات في هذا المجال.

وحيث إنه من المعروف أن للإعلام دوراً بارزاً في إنجاح أي تحرك شعبي على إختلاف نوعه وهدفه، يقول عمار إن الثورة فشلت في صنع وسيلة إعلامية تستطيع أن تستقطب عدداً كبيراً من المتابعين، وكانت نتيجة ذلك بروز شخصيات من الثورة بطريقة شعبية لم تخدم سبل التغيير السياسي، ولم تبنِ الجسور بين الثوار أنفسهم، أو إيصال رسائل واضحة مفادها بأن نتائج الثورة لن تكون مباشرة، بل تأتي على مراحل نتيجة الحركة التراكمية.

يعود عمار إلى ساحات الثورة، ومن وجهة نظره، فإن لكل ساحة دوراً، فكان دور البعض فتح حلقات نقاش تثقيفية، لكنها توقفت عند هذا الحدّ، ولم تتطور في سبيل خلق تحالف سياسي وطني عابر للمناطق عبر خطاب واضح يؤدي إلى استنهاض الناس وخلق إمكانية للتغيير.

سجلت كتب تاريخ الشعوب، الكثير من الثورات التي استمر بعضها عشرات السنين وأتت بالخير على المناطق التي شهدتها، فيما عاشت شعوب أخرى أزمات كثير نتيجة فشل تحركاتها المطلبية أو السياسية، لكن مراقبين للمشهد اللبناني يؤكدون أن ما قبل 17 تشرين ليس كما بعده، فقد بدأ لبنان مرحلة جديدة بنظامه السياسي ووعي شعبه للواقع الذي يعيشه بعيداً عن الأحزاب الطائفية.
الكلمات الدالة