الأحد - 01 تشرين الثاني 2020
بيروت 25 °

إعلان

رؤية حل واقعي... نعم للامركزية

من التحركات الاحتجاجية وسط بيروت
من التحركات الاحتجاجية وسط بيروت
A+ A-
 
نجيب فياض
 
رغم مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ما تزال الدولة مشلولة. "لا شيء يتحرك" كما ذكر منذ فترة قصيرة وزير الخارجيّة الفرنسي جان إيف لو دريان.
يعود سبب هذا الشلل الذي يصيب الدولة اللبنانيّة الى الأحزاب السياسيّة التي تولّت بموجب إتفاق الطائف مسؤوليّة زمام السلطة التنفيذيّة، وتحوّلت من يد رئيس الجمهوريّة الى الحكومة والى رئيسها. كذلك تولّت السلطة التشريعية المنوطة بالبرلمان- الذي لم يعد من الممكن حلّه بل أصبح بإمكانه تمديد ولايته وولاية رئيسه.
تساهم الأحزاب في تفاقم وتقوية الطائفيّة، كما تربط العديد منها ولاءات بقوى إقليميّة ودوليّة.  إضافة الى أن للبعض من أعضائها تضارب مصالح في مجالات الأعمال والقطاعات الماليّة والمصرفيّة.
 
كل هذه الأسباب أدّت الى فشل عمليّة تحقيق الإصلاحات التي أعلن عنها جان إيف لو دريان والتي أرادت الأغلبية من اللبنانيين تحقيقها والتي تتعلق "بالشفافية، معالجة موضوع قطاع الكهرباء ومحاربة الفساد وإصلاح القطاع المالي والمصرفي".
في الواقع، إن ّأغلبية اللبنانيين تريد بناء الدولة-الأمّة القائمة على الحريّة، المواطنيّة كهويّةإنتماء لهذه الدولة (مع توحيد الأحوال الشخصيّة في القانون المدني)، القانون والمساواة (مع عدالة تطبّق باستقلالية تامّة عن سلطة الأحزاب)، التقدم في المجتمع على أساس الكفاءة، الأمن (من خلال دولة تمتلك وحدها شرعيّة إستعمال السلاح على كامل أراضيها حيث تبسط سيطرتها وتقوم بمراقبة حدودها). كما أنّ هذه الدولة تكون قائمة على مبدأي الكرامة والحياد الإيجابيّ الدائم المعترف به والمضمون على الصعيد الدولي، إضافة الى إرتكازها على قانون إنتخابيّ يعطي الحق بمحاسبة النوّاب من قبل الناخبين (بذلك يكون عدد الدوائر الانتخابيّة مساويًا لعدد النواب بحيث ينتخب كل منهم نائباً واحداً فقط).
 
فيما يتعلّق بمكافحة الفساد وإعادة الأموال المختلسة، نأمل أن يطال التدقيق الجنائيّforensic audit  الذي سيجري على المصرف المركزيّ كافّة الوزارات وهيئات الدولة التي تأسسّت بعد الحرب اللبنانيّة  مثل مجلس الجنوب، صندوق المهجّرين، مجلس الإنماء والإعمار واللجنة العليا للإغاثة. هذا بالاضافة الى ضرورة أن يشمل كافّة خدمات الإدارة والمصارف. إنّ تحقيق الشفافيّة يتطلّب تطبيق نظام الحوكمة  2,0– أي إعتماد الحكومة الإكترونيّة والإدارة الإكترونيّة.
لكن طالما أنّ الأحزاب هي التي تتحكّم بذمام الأمور في الدولة، لن يتحقّق أي شيء.
لهذه الأسباب كلّها يتوجّب تعزيز " ثورة" تطال الأسس، عن طريق أستلام الإمور في السلطة المحليّة من خلال تطبيق اللامركزيّة التي هي مبدأ مكرّس في الدستور. اللامركزية هي فعلياً عمليّة مشاركة السلطة بين الدولة من جهّة والسلطات المحليّة من جهّة أخرى وبالتالي نقل جزء من سلطة الدولة الى البلديات، الأقضية والمحافظات أو حتى المناطق. علينا المطالبة بهذا النوع من السلطة المحليّة وأن نحصل عليه لأنّه حق لنا من الناحية الدستوريّة.
أقرّ إتفاق الطائف "اللامركزيّة الإداريّة" التي تعتبر أمراً جدياً. مع ذلك، لم يكن الأمر في الواقع إلا مجرد " إدارة محلية" هذا يعني تطبيق مبدأ اللامركزيّة بطريقة ناقصة حيث يتمّ تعيين كل من القائمقام والمحافظ وليس إنتخابهما. لذلك يتوجّب على الأقل إعتماد لامركزيّة إدارية فعليّة (مع هيئات تشريعيّة وتنفيذيّة محليّة منتخبة ذات صلاحيّات واسعة) كما هو معتمد في كل البلدان الديموقراطية المتقدّمة. بالإضافة الى ضرورة إتبّاع لامركزيّة متقدمّة le régionalisme تقوم على إعطاء صلاحيّات إداريّة للمناطق.
 
يمكن لهذا النوع من اللامركزيّة أن يسمح بالتعويض عن تقصير الدولة وإخفاقاتها (كعمليّة تحصيل الضريبة على القيمة المضافة والتحقّق من عمليّة دفع فواتير الكهرباء أو فيما يتعلّق بجمع ومعالجة النفايات).
الدولة في حالة من المديونيّة المفرطة والإفلاس والتقصير في دفع المستحقات. انما هذا ليس حال البلديات، الأقضية والمحافظات. من خلال اللامركزيّة، يمكن لهذه السلطات المذكورة الإقتراض من المنظّمات الدوليّة كالبنك الدولي مثلاً، الإتحاد الاوروبيّ أو من أي دولة تبغي القيام بذلك من خلال خطة مارشال مباشرة تكون لصاحلها من جهة وتساعد من جهة أخرى في حلّ سريع للمشاكل المحليّة وفي تحقيق مشاريع لها علاقة بقطاعات محليّة كالزراعة، صيد السمك، الصناعة، الكهرباء، المياه، السياحة البيئيّة، السياحة الدينيّة، التعليم المحلي المستدام (بما يشمله من تعليم إبتكارات وتقنيّات جديدة، اللغات، الحرفيّات والمهن إضافة الى الفنون كالموسيقى، الإبتكار التكنولوجيّ في المجال الرقمي والروبوتات دون أن ننسى مجالات البيئة ومن ضمنها عمليّة جمع ومعالجة المقامة)، التنمية المستدامة، التغطية الاستشفائيّة والصحّة- جميعها يمكن أن تنعش الإقتصاد وتساهم في خلق فرص عمل وتطوير البلد إضافة الى الحد من النزوج من الريف والهجرة.
 
أخيرًا، من خلال عمليّة الإنتخابات المحليّة، سنتمكّن من محاسبة المسؤولين المحلييّن المنتخبين بسهولةأكبر من محاسبة نوابنا ووزرائنا ورؤسائنا.