السبت - 28 أيار 2022
بيروت 22 °

إعلان

شهيد وطنه

المصدر: "النهار"
شهيد الوطن.
شهيد الوطن.
A+ A-
 
الدكتور قصي الحسين (أستاذ في الجامعة اللبنانية)

كنت قبالة العدلية في الطريق إلى سن الفيل، فالدكوانة، حيث عمادة كلية الآداب اللبنانية، حين دوّى الإنفجار الرهيب على طريق المكلس.
 
رأيت الدخان الأسود يدق الصفحة البيضاء بكل قوة. وأما الدوي الهائل، فقد ملأ آذان الجوزاء.
لا أبالغ أن الرعب المفاجئ، زلزل مني كياني، وعصفني عصفا وراء مقود السيارة. ما شاركني أحد الصدمة.
امتصصتها وحدي وسيارتي، بعدما أوقفني الرعب الذي إجتاحني، إلى جانب الطريق. ولم أتابع طريقي، إلا بعدما هدأت العاصفة بين جوانبي. أخذتُ أنظر، إلى السيارات العابرة، وأستأنس بها. أكملت طريقي إلى مبنى عمادة الآداب، بين مستشفى حايك في حرج تابت وغاليري متى، بجانب كلية العلوم الطبية.
بوصولي، وجدت أن العاصفة مرت على الزملاء والموظفين. كانت قد سرت شائعة للحال، عن إنفجار "قارورة غاز".
 
تداولوا الشائعة بسهولة: "جرة غاز وانفجرت"، بهذة البساطة.
غير أن قربنا من مكان الإنفجار، جعلنا نعرف ماذا جرى. دب الرعب فجأة في المنطقة كلها. وأخليت عمادة كلية الآداب بسرعة. وأخليت كلية العلوم الطبية بسرعة. وأغلقت المتاجر والمقاهي والكافيتريات المحيطة بصمت مطبق على الفور. أخذ الناس سياراتهم. أخذوا طرقاتهم. لزموا الشاشات وأنصتوا إلى الإذاعات:
"اغتالوا جبران تويني".
 
لا أعرف كيف نهض في أبصاري، مجسم ريشة عملاقة منتصبة من لحم ودم. وقد دق عنقها، فأخذت قطرات الحبر تسيل من أسنانها، تروي ذلك المنحنى في طريق تل الزعتر، ممزوجة بالدم.
عادت بي الذاكرة إلى أحد الصالونات الأدبية في الشمال. إستضافه ذات مساء. كان ينظر إلى المتحلقين حوله، وإلى المحتفين به وإلى المضيفين، ببسمة فيها من النبل، ما فيها من معاني التواضع، ومن معاني الثقة بالنفس، ومن معاني الثقة بلبنان.
كان يشفق على لبنان، وهو يشق طريقه إلى "سوليدير"، وإلى الوعد بالسلام. وإلى العهود المقطوعة. وإلى البنود المكتوبة.
 
مضت ندوته في طريق معاكس، لما يشتهيه الجمهور، في المدينة التي قتلتها الحروب، حتى باتت تشتهي الأمل بالسلام. ومع ذلك، كان جبران سيدا مسودا على المنبر. نزل إلى صفوف الناس. سلّم عليهم فردا فردا. غير أن صورته وهو على المنبر، لم تفارق وجوههم، حتى وداعه إلى سيارته.
عادت بي الذاكرة في برهة الإنفجار، إلى لقاء عفوي بالناس في إحدى عشايا بلدة إهدن. كان ينتصب كتمثال ريشة، في ميدان إهدن، وحوله بعض الشباب والصبايا. كان يتحدث قليلا. وكان يصغي كثيرا. وحين عظم حوله الجمع الشبابي، أخذ طريقه إلى تمثال يوسف بك كرم، ووقف قبالته، متألما متأملا. سرح بصره فوق الهضبة. قرأ فيها بعض حروف التاريخ، ومضى إلى عشاء يجمعه بالضيفين، دعاه إليه الأستاذ سمير فرنجية.
 
صورتان لجبران تويني، ما فارقتا عيني منذ برهة إستشهاده على منعطف المكلس- تل الزعتر، حتى اليوم.
كان نجمه يعلو، كلما عظمت المرحلة عليه. كان عموده في جريدة "النهار"، بيانا سياسيا بإمتياز. كانت ساحة 14 آذار، تنتظره بإستمرار.
يقف مع الناس، معاهدا أن يظل معهم، حتى ولو أطبقت السماء عليهم بالنار والبارود. حتى ولو أطبقت السماء على الأرض.
 
قضى جبران، ولم يجف دمه عن التراب. مضى جبران، ولم يجف حبره. ولم يجف حلقه. ولم تجف رسالته.
كان حقا قلما رؤيويا، يستشرف المرحلة، أكثر ممن واكبها وإندرج فيها. فكانت برهة إستشهاده، تتويجا لمسيرة مختلفة في الكشف. مسيرة مختلفة بالجرأة. مسيرة مختلفة بالتضحية.
 
وكنت أراه في مسيرته، وفي شهادته، كأنه على درب المتنبي، يردد معه:
تركت السرى خلفي لمن قل ماله/وأنعمت عيني برؤياك عسجدا.
مات جبران حقا، حتف قلمه. مات شهيد قلمه. مات حقا، حتف وطنه، شهيد وطنه.


 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم