الخميس - 03 كانون الأول 2020
بيروت 19 °

إعلان

قصة إلهامٍ والتزام... ليا نورباتليان أول امرأة في فريق عمال النظافة

جودي الأسمر
ليا نورباتليان.
ليا نورباتليان.
A+ A-

وقفت ليا نورباتليان عند تقاطع الأزمات في لبنان، وآخرها 4 آب. أمامها خياران لا ثالث لهما، إما القعر أو أن تثب فوقه، برغم الوجع وانعدام الأفق. اختارت أن تتخطى القعر والمحظورات أيضًا. وفي هذا الخيار تحدٍّ أكبر يفرضه أنها أول سيدة قررت أن تصبح عاملة نظافة، فانضمت إلى فريق "رامكو".

كانت البداية يوم الأول من تشرين الأول. ينتظر ليا نهار عمل في تنظيف شوارع النقاش، حيث تقطن، من السادسة صباحًا حتى الثانية بعد الظهر. عمل جريء ومسؤول أن تتولى امرأة تنظيف الشوارع. ترتدي البدلة الرمادية، تجدل شعرها، تتنقل برشاقة وخفة لتكنس الشارع وتلملم الأوساخ. عملُ هذه الشابة الثلاثينية يمحو الوساخة عن الشوارع، وربما عن الأذهان. تستغرب سؤالنا حول الصورة النمطية المسيئة التي قد يسقطها الناس على وظيفتها كعاملة نظافة: "أيا صورة؟ ما بتهمني الصورة. المهم الشخص يكون منيح. ما عم أعمل شي غلط. عم نضِّف وراهن".

هذه المرونة في خرق الأزمات تدين بها للأيام الصعبة. اللحظة "صفر" حلّت بوفاة والدها: "كان عيدي الـ17 في غضون عشرين يومًا. قررت أن أجني مصروفي فعملت في مركز ABC لقاء 300 دولار شهرياً". أثناء المقابلة في رامكو، تذكرت بدايتي هذه، حين نظرت مسؤولة التوظيف إلى سيرتي الذاتية، وسألتني "هل تعتقدين بأنك تقومين بخطوة إلى الوراء؟ فنحن لا نقدّم الأجور التي كنت تتقاضينها".

 

فقبل انهيار الوضع المعيشي، كانت ليا تعمل مديرة ضيافة في أحد البارات، وتتولى خصوصاً تعهد الأعراس، وكان المردود عاليًا. تمتلك موهبة هي شغفها الأول "أنا في الأساس أغنّي. الغناء حلمي منذ الطفولة". راحت تحترف الغناء منذ سنوات، وتقيم حفلات في الخارج وخصوصاً قبرص، بصحبة زوجها الذي ساندها  في الحلم، يؤلفان الموسيقي الإلكتريك داخل استوديو صغير أنشآه في البيت. صارت وجهاً مألوفاً في حفلات مار مخايل والحمرا والبترون "لكن انفجار بيروت أقفل الكثير من هذه البارات والمطاعم"، وكأنه قضى على رمق أحلامها الأخير.

بالرغم من هذه الظروف السوداء، لم تختلّ علاقتها بلبنان. هي لم تكن يوماً علاقة حب وكراهية. اعتادت أن تكون عمليّة ومسؤولة فحسب، "معاشي اليوم في رامكو هو نحو 900 ألف ليرة لبنانية. أعلم أنه مبلغ متدنٍ في ظل هذا الغلاء ولكن تحديداً بسببه، من الأفضل أن أجنيه ليساعدنا. لا ارتباطات لدي في الصباح، فلمَ لا استثمره بما يفيدني خلال هذا الوقت؟".

وقتٌ تعتبره آنيًّا وإن طال، "كنت أخطط للهجرة مع زوجي إلى قبرص. بحكم ترددنا الدائم إلى هناك صار يحق لنا بالإقامة. سافر زوجي للسؤال عن أرض وبيت وأقفلت المطارات بسبب كورونا. وبسبب تضخم الدولار لم نكن قادرين على تزويده بمزيد من المال. كنت أغالب إحباطي خلال تلك الفترة بالمشي في الحي، فلاحظت ما كنت غافلة عنه حين أقود السيارة: كمية هائلة من النفايات تلفنا من كل حدب وصوب. هالني المشهد". فقررت أن تتطوع في تنظيف الحي خلال جولاتها، "اشتريت القفازات والعصا مع كماشة النفايات وتطوعت لتنظيفه، إلى أن قررت امتهان هذا العمل لأنني أحب الطبيعة والشجر وأشعر بحزن كبير حين أرى النفايات مرمية تحت الأشجار".

تشير إلى زاوية أودعت فيها أكداسًا من أكياس النفايات التي جمعتها اليوم، بانتظار قدوم شاحنة الشركة للملمتها. "أزمة شديدة لأن العمال الأجانب يقومون بالإضرابات بسبب عدم القدرة على تسديد مستحقاتهم بالدولار". لكن تجد فيها ليا فرصة للشباب اللبناني: "أعلم أن آلاف الشباب والصبايا يمكثون اليوم في بيوتهم ويبحثون عن عمل في الخارج. أشجعهم أن ينضموا إلينا فهناك العديد من الوظائف الشاغرة. أنا شخصياً أحب العمل ضمن مجموعة، نتعاون في إزالة هذا الكمّ الهائل من الأوساخ. جميعنا محبط، جميعنا متعب، لكن أقول لهم إن صناعة التغيير مهما بدا بسيطًا تمنحنا شعورًا بالرضى".

 

لا تحب ليا صنع بطولات من قصتها الخاصة، وتفضل أن تحولها إلى "رسالة للقراء ليحافظوا على الطبيعة. الأرض ستأكلنا إن لم نهتم بها. وهذه المعادلة تنطبق برأيي على كل المآسي التي نعيشها. نأخذ مثلما نعطي".

حول الصعوبات، تدرجها في نوعها اللوجستي: "معاناتي مع أعقاب السجائر التي لا أستطيع التقاطها بالكماشة. أقوم بلملمتها بأصابعي واحدة واحدة". وترجو الناس "وخصوصا المدخنين ألا يرموا أعقاب سجائرهم في الشارع، لأنّها مسؤولة عن سد قنوات تصريف المياه. الشتاء على الأبواب وسنسمع الشكوى تتصاعد ضد الدولة بسبب غرقنا في برك النفايات. لنبدأ من أنفسنا أولاً".

تقدّر ليا التفاصيل، سواء بشعة هي كنفاية صغيرة أو جميلة. التفاصيل هي هي. تراكمُها يصنع التغيير. كان زملاؤها نبّهوها حول "مواقف بشعة" قد تتعرض لها، لكنها في الواقع تلتقي أناسًا في الشارع يمنحونها التقدير والحب واللفتات الجميلة. عدا عن التحيات من المارة، وعبارات "الله يعطيكي العافية... بونجور... الله يقويكي" التي اقتطعت حديثنا لعدة مرات، "اليوم صباحًا، أحضرت لي سيدة وزوجها فنجان نسكافيه. وصبي قدّم لي المياه وبسكويت الكوكيز".

"أثناء عملي، أسمع بعض المارة يقول: (يا ريت شوارعنا بتضل هيك نضيفة)... أعتقد بأن رسالتي تنتشر شيئًا فشيئًا".

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم