السبت - 15 أيار 2021
بيروت 23 °

إعلان

حرية الصحافة: تراجع مخيف في لبنان... ومبادرات تواجه القمع

المصدر: النهار
جودي الأسمر
جودي الأسمر
تعبيرية.
تعبيرية.
A+ A-

في تشابك اليوم العالمي لحرية الصحافة (3 أيار) مع عيد شهداء الصحافة (6 أيار)، ثمة ما يعاود تذكيرنا بأنّ قدر الصحافيين في لبنان أن يصدوا عن الحرية لحدود معركتها القصوى، حتى الدم.

 
وإذ شكلت الحرية امتياز الصحافة في لبنان، وحضناً وحصناً لأحرار البلدان المجاورة، يختنق الاحتفاء بحرية الصحافة في سنة 2021 بانتهاكات هائلة، تتلاحق وتزداد وتتنوع منذ انطلاق انتفاضة  تشرين 2019، من خلال ممارسات "منظومة قمعية"، تخشى الحبر والصوت والصورة، لأنها تعبر الكيان السياسي اللبناني بكافة مؤسساته، وكل قطاعات الشأن العام، وجميعها غارق في إخفاقات السلطة والفساد والإفلات من العقاب.

 

لكن، من يؤمن بالحرية لا يستكين. ففي قلب المشهد المضني، علامات فارقة نستعرضها لدى مؤسسات ومراكز داعمة للحريات، تكثف اليوم جهودها وتستحدث الفرص، لغاية دعم وتمنيع الصحافيين الأحرار الملتزمين بالواجب والشغف في تلبية الرسالة ونداء الضمير.

أرقام خطيرة (2020-2021)

يمكن الاقرار بتزايد الانتهاكات لحرية الصحافة في لبنان لهذا العام، ويبرز في مؤشرها الأخير تقرير "حرية الصحافة" لسنة 2021، حيث تستنتج منظمة "مراسلون بلا حدود" أن ممارسة النشاط الصحافي "أمر ينطوي على خطورة شديدة في لبنان، الذي تراجع 5 مراتب في تصنيف 2021"، فهبط إلى المرتبة 107 عالمياً.

وتشير المنظمة إلى أن صحافة لبنان تعكس "أحد أكبر التراجعات هذا العام، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بكشف فضائح الفساد. وهو ما تأكد بجلاء عند اغتيال الإعلامي والمحلل السياسي لقمان سليم."

ووصّف التقرير السنوي لمؤسسة سمير قصير المشهد بـ"لبنان 2020 وثقافة القمع وتطويع الإعلام وحرية التعبير".  ويعكس التقرير انتهاكات مرقومة، بلغ عددها 340 بين تشرين الأول 2019 ونهاية 2020، حيث رصد مثول المدونين والصحافيين أمام المحاكم (49)، واعتداء على صحافيين من جهات رسمية وغير رسمية (179)، وتوقيفات واستدعاءات واستجوابات (62)، وهجومات مسلحة على مؤسسات إعلامية (3)، وتعرض إعلاميين ونشطاء لتهديد وتنمر (28) وأشكالاً أخرى من الاستبداد بالرأي.


"مهارات" وسكايز": القمع متنامٍ

وفي المسح النوعي للمساس بحرية الصحافة والتعبير، تقول ليال بهنام،  مديرة البرامج في مؤسسة "مهارات"، أن "تظاهرات تشرين عكست ازدياداً في منسوب حرية التعبير وبنبرة عالية، وإنما بعد أن خفت وتيرة المظاهرات عادت الاستدعاءات بحق الناشطين والصحافيين والمدونين على مواقع التواصل الاجتماعي، وأكثرها على خلفية القدح والذم".

 ومن خلال تقاريرها، "تذكر المؤسسة دائما بأن الملاحقة الجزائية في قضايا الرأي لا تتناسب مع طبيعة هذا الحق الذي يكفله الدستور اللبناني. وهو حق أساس لبلورة النقاش العام في مجتمع ديموقراطي. وبالتالي من الضروري إعادة النظر بالمنظومة القانونية الجزائية، بهدف الوصول إلى قانون لا يجرّم التعبير ويلغي كافة الأصول الجزائية لاسيما التوقيف الاحتياطي ويلغي عقوبة الحبس والاكتفاء بالتعويضات المدنية".

ورصدت تقارير المؤسسة "تحدياً آخر للصحافيين في صعوبة الوصول الى المعلومات، ما يؤثر بشكل كبير على قدرة الصحافة بأن تحاسب وتكشف الفساد، خاصة الصحافة المعمقة والاستقصائية ومبادرات التحقق من المعلومات. فما زالت الادارات العامة لا تقوم بالنشر التلقائي للمعلومات، كما أنها لا تتجاوب مع طلبات المعلومات خاصة بالنسبة للعقود والصفقات التي تجريها".

وتوصي الباحثة بأن "يدخل قانون الوصول إلى المعلومات والمرسوم التطبيقي الذي أقره مجلس الوزراء موضع التنفيذ بشكل مباشر وفوري عبر إلزام الادارات تعيين موظفي المعلومات، وإنشاء مواقع الكترونية لنشر المعلومات الحكمية المنصوص عنها في القانون".

من ناحيتها، تأسف وداد جربوع، الباحثة والصحافية في "مؤسسة سمير قصير" لـ"
ما نشهده من تدهور كبير جدا لبيئة حرية التعبير في لبنان خلال السنوات الأربع الماضية. فقبل عام 2016، كنا نتحدث عن حوالي 15 حالة استدعاء أو تحقيق سنويا مع إعلاميين ومدونين، تضاعفت لما يعادل 60-70 حالة سنويا. وكل الأجهزة الأمنية تضطلع بهذه الاستدعاءات: من الأمن العام والمباحث الجنائية ومخابرات الجيش، ومكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية".

وفي مثال بسيط، تورد أن  "شهر نيسان 2021، لحظ استدعاء القاضية غادة عون للإعلامية ديما صادق، على خلفية أقوال وردت في برنامجها التلفزيوني، وكذلك استدعاء ناشر موقع ليبانون ديبايت، ميشال قنبور، على خلفية تحقيق صحافي نشره الموقع".

والمفاجىء أن "دولاً مجاورة تحكمها أنظمة لطالما اتسمت بالقمعية، تشهد تقدماً في واقع الحريات، على ما أظهر التصنيف الأخير منظمة "مراسلون بلا حدود"".

وفي خطورة مستجدة باتت تمس بالسلامة الجسدية للصحافيين، تقول "تضمنت تظاهرات 19 تشرين أرقاماً مخيفة حول اعتداءات جسدية همجية بحق الصحافيين، سواء من القوى الأمنية من جهة خلال التغطية على الأرض أو من قبل بعض المتظاهرين، فاعتدوا بالضرب أو تكسير المعدات أو منع تصوير".

فرص ومبادرات لدعم الصحافيين

إزاء التصدي لهذا الواقع، توّظف مؤسسة سمير قصير المزيد من الجهود، أولا في "رصد واقع الحريات من خلال تقارير شهرية وسنوية، بهدف إبراز الحقائق والانتهاكات وبالتالي الضغط لتعزيز المناخ الحر. كما أسسنا مع عدد من منظمات المجتمع المدني المعنية بهذه القضايا "تحالف الدفاع عن حريات التعبير" لتكتيل الجهود والتعاون بين نحو 14 منطمة لبنانية ودولية".

وتحرص المؤسسة على "إقامة ورش عمل تعنى بحماية الصحافيين ودعمهم. وتتضمن الحماية الجسدية خلال التغطيات الميدانية. فقد لمسنا بأن الصحافيين لم يكونوا مؤهلين لمواجهة القنابل المسيلة للدموع والضرب وتخفيف خطورة الإصابة قبل وصول الإسعاف أو الخضوع للعلاج".

 وطوّرت المؤسسة "ورشاً تعنى بالعناية الذاتية والنفسية للصحافيين الذين تعرضوا لصدمات نفسية، بسبب تعرضهم للاعتداءات الجسدية أو التنمر والمضايقات عبر السوشل ميديا، في ضوء جهوزية الجيوش الالكترونية في شن حروب أونلاين، ومن شأنها التسبب بأذى نفسي للصحافيين."

ويجدر الحديث هنا عن "مبادرة دعم الإعلام" التي أطلقتها "مؤسسة سمير قصير" بعد انفجار 4 آب "بمساهمة عدد كبير من الشركاء الدوليين والمحليين، لتأسيس إعلام أكثر شفافية، وخلق بيئة إعلامية موائمة لمساءلة السلطة من جهة، ولتطوير قدرات الصحافيين الاستقصائيين من جهة أخرى، لتمكينهم في ملاحقة قضايا الفساد خصوصا. فوجود التحقيقات الاستقصائية العميقة والجدية كان سيحول دون وقوع تلك الكارثة الانسانية في المرفأ".


ويقدّم البرنامج كذلك "الدعم المالي لتمويل العمل الاستقصائي، وهذه نقطة بالغة الأهمية لأنها تدعم موضوعية المحتوى. كما نمنح الدعم الاقتصادي للصحافيين، حتى لا يرزحوا تحت ضغوطات مالية تجبرهم على تقديم تنازلات على حساب موضوعية مادتهم".
 

وفي إطار مماثل، تصب مؤسسة "مهارات" أولوياتها في "دعم الصحافة المستقلة وتشجيع المحتوى الصحافي المعمق الذي يتماشى مع دور الاعلام في أن يكون سلطة رقابية في بلد يمر بمرحلة انتقالية مثل لبنان"، بحسب ليال بهنام.

 

وتتحدث عن "برنامج "ديمومة الاعلام الرقمي"، الساعي الى تعزيز استدامة إعلام المنفعة العامة والمستقل، في تلازمه مع المسار الديمقراطي، "نقوم بالعمل مع الصحافيين والمبادرات الاعلامية المستقلة على تشجيع الابتكار في المحتوى وفي نماذج العمل لغاية استدامتها".

كما "تتعاون "مهارات" مع كليات الاعلام لتطوير مناهجها لتتماشى مع التطور الرقمي المتسارع للسوق الاعلامي".

وتنتج المؤسسة الكثير من الموارد التي تساهم في فهم تحديات حرية التعبير في المنطقة والعالم العربي من خلال "مهارات ماغازين". وستطلق في 11 ايار دراسة "اتجاهات وسائل الاعلام والاتصال في زمن التغيير"، وتعالج التأثير المتزايد للاعلام البديل والمؤثرين على السوشيل ميديا والعلاقة مع الاعلام التقليدي.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم