الثلاثاء - 13 نيسان 2021
بيروت 17 °

إعلان

الفنان شربل عون... البحث عن المعنى "تحت بشرة بيروت"

المصدر: "النهار"
جودي الأسمر
جودي الأسمر
الفنان شربل عون في مشروعه الأخير.
الفنان شربل عون في مشروعه الأخير.
A+ A-

تؤكد أزمات لبنان للفنان والمهندس المعماري شربل صموئيل عون (41 سنة)، اعتقاده بأنّ "المادّة تشكّل مساحة انتماء نقيّة"، لأنها "تحمل في جوفها حقيقة" لا يزال يبحث عنها. بعد انفجار 4 آب، يحاول "استعادة اللغة الكامنة داخل المادّة التي نسينا تداولها" من خلال مسار تجريبي يصفه بـ"التدخلات الاجتماعية"، التي خاض غمارها أخيراً في أحياء مجاورة للانفجار، مع مجموعة من طلّابه في جامعة الروح القدس ومعهد ألبا. المكان الذي يعرّفه عون بـ"مجموعة حواسّ"، ينطوي في بيروت على "حاضر أثري"، شكلّ مادّة لمشروعه الثلاثي.

فلسفة جمالية

يقول لـ"النهار": "بيروت تاريخ مكثّف. حضارات كثيرة تعاقبت على تراب وهواء ومياه هذه المدينة، لكنها صنعت حقيقة مؤقتة. السؤال، كيف نستطيع استنباط حقيقة ثابتة؟".

يمكن فهم مشروع شربل عون بأنه سلسلة محاولات لتغيير الوعي الجماعي. وفي أسلوبه "رسالة حول الجماعة كمادّة فنية"، تقوم في سياقها بتقديم الرسالة الفنية ومجّانية الاستفادة منها، على رفض "تسليع الفنّ وافتقاره إلى المعايير، واللهاث وراء الوهج الإعلامي وكلام المجتمع الفنّي الذي لم ينتقل لمرحلة الفعل، خلال ثورة 17 تشرين".

بعد عزلة ونفور، دفع انفجار 4 آب الفنان عون لإكمال تشكيل فلسفته الجمالية، حول "فنّ منزّه عن النظام السياسي ولا يتشابك معه. الفن المتحرر من الشهرة والوساطة وثقافة المحسوبيات التي أدخلت موبقاتها لهذا المجال"، من خلال ثلاثة مشاريع جديدة يوثّقها بـ"عدسة الكاميرا الخاصّة بالمجموعة، والأهمّ قصص في التعاطي النقيّ مع سكان الأحياء المتضررة".

"مساحة بشرة بيروت"

"هذا ليس قبراً، إنها مساحة في بشرة بيروت". بهذه الكلمات يشرح الفنان عمله لمارّة يسألونه بفضول، عن سبب انهماكه في حفر حفرة عميقة على الأوتوستراد الخلفي الموازي للمرفأ، ولماذا أضاءها بالشموع. أراد تكريس ما لا يتفق مع القائلين بأنّ "الجميع سينسى ما حدث عاجلاً أم آجلاً".

ذات يوم، أجبت عنصر الأمن بأنني أنزل في التراب، حين ترجّل من الريو وسألني عن عملي. أذهلني إردافه: "اذكر أيها الإنسان أنك من التراب وإلى التراب تعود"، وعاد أدراجه.

في أبعاد أعماله الحالية، يتعمّد عون اختبار مفهوم "العدالة والعقاب"، في دولة غياب القانون. "في الوضع الطبيعي، كان يمكن عنصر الأمن توقيفي أو منعي. كان الفنان يخضع لتفتيش الجميع حين يرسم على حائط. نظامنا تهالك. وهذه فرصة لتشكيل بديل جديد. أطمح لإخراج واقع متنصّل من تأثيرات النظام. واقع جوهري، حاضر، لا "ترقيع" لماضٍ منتهي الصلاحية".

 

 







"شارع 64"

العمل الثاني درج صنعه الفنان من بودرة أنتجها من خلال صعوده على تلة ردم في مار مخايل، بعد أن كسر الحجارة بالفأس. "وصلت الدرج بالرصيف من الطريق التي كانت مغلقة. وزرعت عليه نبات الصبار ليقيني بأنه يعيش هناك. وفيما كنت أغادر، اقترب صبيّ وهتف وهو يصعد التلّ: صار عنا جنينة!".









 

وليست هذه المرة الأولى التي يعتمد فيها عون هذه المادّة الأولية. بالعودة لعام 2017، أنجز سلسلة لوحات بعنوان "من رماد"، ولوّنها كلياً بغبار شوارع بيروت، بهدف إظهار شخصية تعيش وَحدةً، أو مجموعة شخوص في حالة صدمة نفسية.


من خلال "شارع 64"، أراد عون التخلّي عن وظيفية (fonctionnalité) المكان، لمصلحة الوظيفة (fonction) الخاصّة به. يوضح: "هذا الاختلاف ميّزه المعماري الياباني تداو أندو، الذي تأثرت أعمالي بمفاهيمه". وعليه، كلّ فعل فنّيّ هو "نشاط مكاني".

ويضيف: "محلياً، تأثر مفهومي للفن بالفيلسوف والناقد جوزيف أبو رزق في تمسّكه بـ"العطاء المجّاني" وعمقه في "فلسفة الجمال"، ورائد المسرح الحديث منير أبو دبس الذي آمن بوجود الخيال النشط في الجمود، إلى الحدّ الذي جعله يتبع هذا النمط في المسرح".

 

"متر مربّع"

في العمل الثالث، نزل عون إلى غرفة "مساحتها متر مربع"، في إحدى بنايات مار مخايل التي تهاوت من جرّاء الانفجار. صار يستخدم موادّ الردم، بواسطة قطعة خشب ونار الشمعة، لمراقبة تفاعل هذه العناصر البدائية مع حائط الغرفة، فالإنسان مؤهل بحواسّه لأن يفهم لغات المادّة، ولكن "إلى أيّ حدّ تطفئ التربية والنظام هذه القدرة؟".

للإجابة عن سؤاله، يحاول عون "إعادة النظر بمفهوم المكان. قبل الأزمة، كنا نتعاطى مع المساحة وفق "المتر المربع". الأرقام هي المحفز والوعي لدينا. نحن نخضع لثقافة بصرية مسطّحة ومباشرة. نستهلك البصريات. وبدورها خاضعة لمعايير قطعت حوارها مع الطبيعة، كالأرض وعناصرها".

على النقيض من ذلك، "للحجر رواية" يحاول شربل قطع مسافات زمنية ليعيد سردها.

ولا يصعب على المتأمل هنا وفي سائر أعمال شربل عون، ملاحظة تأثره بالتحليل النفسي للمادّة للفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، الذي  يرى أن "الفن إثراء لخصوبة الحياة، ونوع من المناقشة بين أنواع الدهشة التي تنبّه وعينا وتمنعه من الخدر"، وأن "الحقيقة هي خطأ مصحح باستمرار"، ويجدها في "أعمال من هم تأملوا طويلاً المادّة وفهموا قيمتها".

شربل عون الذي قدّم عدداً من المعارض في لبنان وفرنسا والإمارات وإيطاليا وتركيا، من بينها: "نزوح الهشاشة" (بيروت 2015)، و"من التراب" (باريس 2015)، و"فقدت الربيع" (بيروت 2012)، و"نبض" (دبي 2011)، و"التدفّقات" (بيروت 2010)، يرى أنّ الأخيرة مكان كوزموبوليتي حافل بـ"الجدران اللامرئية، التي تحول دون تحاور الناس".

يختم: "لكنني في اكتشاف دائم للّغة الإنسانية. من تحت جلد بيروت أحاول استعادة لغتي".

 

 

 

 

 

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم