الجمعة - 04 كانون الأول 2020
بيروت 17 °

إعلان

في زمن الإفلاس... خفوت وهج الوزارات السياديّة وتناتش على حقائب المساعدات

المصدر: "النهار"
اسكندر خشاشو
اسكندر خشاشو AlexKhachachou
السرايا الحكومية (نبيل اسماعيل).
السرايا الحكومية (نبيل اسماعيل).
A+ A-
كرّس اتفاق الطائف أعرافاً في توزيع الحقائب الوزارية وأعطى وزارات معينة "كعباً عالياً" بالنسبة لأخرى، وأطلق عليها صفة سيادية ووزعها على المذاهب الكبرى أي السنّة والشيعة والموارنة الأورثوذكس، وأضحت وزارات الداخلية والخارجية والدفاع المال، مكرّسة لهذه المذاهب دون غيرها، كما أنها أصبحت طبقاً شهياً يتهافت عليه الزعماء لتناتشه باعتبار هذه الحقائب هي الأهم والأدسم على مستوى الخدمات التي يمكن أن تجيّر للأنصار إضافة إلى كون هذه الحقائب تكرّس السلطة الفعلية عبر الأمن والمال.

ولكن، وبعد الإفلاس الذي ضرب الدولة ومؤسساتها هذه السنة، خفُت وهج هذه الوزارات، ولم تعد تشهد تسابقاً على تولّيها كما في السابق، طبعاً باستثناء وزارة المال لارتباط توقيع حامل حقيبتها بأغلبية مراسيم الحكومة، والذي انتقل الصراع عليها إلى مكان آخر، مذهبي سياسي، أكثر منه خدماتي أو تقني.

وما يجري اليوم في عملية توزيع الحقائب في الحكومة الجديدة يُظهر بوضوح أن التنافس لم يعد ينحصر بالوزارات السيادية، إنما تجاوزها إلى عدد من الوزارات التي تقدمت لتحجز لها مكاناً في النادي "السيادي" كوزارات الاشغال والصحة والطاقة والتربية وبأقل منها درجة وزارة الاتصالات التي كانت لسنوات المغذّي الرئيسي للخزينة اللبنانية.

وفي هذا السياق، وبالنظر إلى طبيعة هذه الوزارت، يتبيّن أن هذه الحقائب، في حال سارت الأمور على ما يرام والتزمت الحكومة بتنفيذ الورقة الاصلاحية التي تم الاتفاق عليها في المبادرة الفرنسية، فإن هذه الوزارات ستنعم بالجزء الأكبر والأهمّ من المساعدات والمشاريع الموعودة القادمة من الخارج.
وبالتفصيل، ستحظى وزارة الاشغال العامة بحصة الأسد من هذه المساعدات، فهي تعتبر وزارة الوصاية على مرفأ بيروت، ومن الطبيعي أن تكون المشرفة على إعادة إعماره بعد كارثة 4 آب، وعمليات التلزيم واستقدام العروض وغيرها، عدا عن إعادة إعمار النصف المدمر من العاصمة جراء الانفجار، إضافة إلى المشاريع المقترحة والتي تم إقرارها في مؤتمر سيدر، وبالتالي، فإن الكمّ الأكبر من المساعدات والأموال سيكون من حصة هذه الوزارة أو أقله بإداراتها.

وبالنسبة لوزارة الصحة، فهي منذ سنوات تعتبر الوزارة الخدماتية الأساسية في الدولة اللبنانية نظراً لارتباطها مباشرة بصحة المواطن، في ظل ارتفاع كلفة الفاتورة الطبية وحاجة الناس إلى الاستشفاء والدواء، ولكن بظل تفاقم جائحة كورونا والاهتمام الدولي بمكافحتها، ستكون هذه الوزارة أيضاً أساسية عبر التعاطي الدولي معها لجهة تلقّي المساعدات والقروض المسّهلة لشراء الأدوية واللقاحات وغيرها، وستعطي لمن يمسكها طاقةً خدماتية هائلة تتصل مباشرة بحاجيات الناس ومتطلباتهم. وما يصح في وزارة الصحة يصح في وزارة التربية بالنسبة للمساعدات والاهتمام الدولي في ظل كورونا والتعليم من بعد، ومنذ بداية عامنا الحالي يشهد قطاع التعليم نزوحاً كبيراً من القطاع الخاص نظراً للوضع الاقتصادي الصعب لجزء كبير من اللبنانيين وعدم قدرتهم على الاستمرار مع المدارس الخاصة، ما سيفتح مجالاً واسعاً لحامل هذه الحقيبة بالتوظيف وفتح المدارس الجديدة وغيرها، بالتالي قوة خدماتية كبيرة.

انتقالاً لوزارة الطاقة، ورغم ما فعلته بلبنان وبالاقتصاد اللبناني، إلا أنها تعتبر في أيامنا هذه الوزارة الأهم من دون منازع، فالاهتمام الدولي حالياً يتركز على الكهرباء وكيفية تأمينها لمرة أخيرة، إضافة إلى أن ما يجري على مستوى المفاوضات اللبنانية- الاسرائيلية يمكن أن يطلق يد الحكومة اللبنانية في الاستفادة من النفط والغاز الموعودَين، وهما حتى الساعة تحت الاشراف المباشر لهذه الوزارة، ويمكن لها، كما تسببت في انهيار لبنان، أن تكون مساهِمة رئيسية في إعادة نهضته.

أما وزراة الاتصالات التي كانت تعتبر حتى الأمس القريب نفط لبنان، فهي لم تعد محط أنظار السياسيين، وبعد تغيّر سعر الصرف والحاجة إلى القطع المستوردة، إضافة إلى شراء باقات الإنترنت بالعملة الصعبة، لم تعد مردودات هذه الوزارة كما كانت، لا بل إذا بقيت الأسعار على حالها، فمن المتوقع أن تقع تحت خسائر فادحة نظراً للفارق في تسعير الخدمة بالنسبة إلى سعر الدولار الحالي، هذا من جهة، أما من جهة ثانية، فهذه الوزارة أُتخمت بالتوظيفات بشكل هائل، وهي لم تعد تستطيع تحمل توظيف جديد في كافة مؤسساتها، وهناك مطالبات بشطب مئات الوظائف منها بل الآلاف، وهذا ما سيشكل عبئاً كبيراً على الوزير أو الجهة التي ستتولاها.

وفي المحصلة، لم تعد وزارتا الدفاع والخارجية مغريتين، إذ فقدت وزارة الخارجية الكثير من لمعتها، فالعلاقات الدولية تُنسج على مستوى الرؤساء، فيما الاتفاقيات الدولية عند رئيس الجمهورية، وهذا ما ظهر جلياً في عملية ترسيم الحدود التي تجري حالياً حيث لا دور لهذه الوزارة فعلياً، كما أن السياسة الخارجية لم تعد مسرحاً لوزير الخارجية وخصوصاً بوجود الطرف الأقوى على الساحة المحلية والذي يرتبط بنيوياً بدول خارجية، وهو ما يلزم الوزير بالتعاطي تحت هذا السقف، رضي أو لم يرضَ. أما وزارة الدفاع، فهي أصبحت شبه فخرية، فإلامرة الفعلية ليست بيد الوزير بل بيد قائد الجيش والمجلس العسكري. كما أن رئيس الجمهورية هو رئيس المجلس الأعلى للدفاع، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء.

أما وزارة الداخلية، وبسبب الأوضاع الحالية وضعف الموازنة، لم تعد باباً للتوظيف والخدمات، ولم يعد الانضمام إلى السلك العسكري حلماً للشباب كما كان في السابق، عدا عن أن الموازنات المقبلة ستمنع التطوع وتُبقي على العدد الحالي، إضافةً إلى وجود الجهاز العسكري والأمني لحزب الله الذي له اليد الطولى في هذا المجال، ولن تستطيع هذه الوزارة تحقيق المعجزات، وهذا ما برهنته السنوات السابقة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم