الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 27 °

ضيف النهار - يجب إنقاذ بيروت

المصدر: النهار
Bookmark
 بيروت
بيروت
A+ A-
مروان عبود

ظلّ لبنان على مدار آلاف السنين موطنًا للثقافات وملاذًا للشعوب المختلفة، على الرغم من كونه ضحية للصراعات على السلطة الإقليمية وغير الإقليمية التي حالت دون تحقيق السلام الدائم فيه. ومع ذلك، تمكنت العاصمة اللبنانية، حتى خلال الحرب الأهلية الطويلة الأمد التي شهدتها البلاد (1975-1990)، من الحفاظ على ثقافتها المنفتِحة، باعتبارها معقلاً للإعلام الحر، والمنتديات الأدبية الإبداعية، والمؤسسات الأكاديمية المرموقة، فأضحت بيروت لؤلؤة الشرق الأوسط.
لكن جروح التاريخ لا تلتئم بسهولة. فإن الفساد ظلّ معشّشًا في النظام السياسي اللبناني، من بعد اعتماد دستور جديد وتحقيق تجديد على الصعيد الوطني الواسع على أثر طي صفحة الحرب العام 1990. هذا الأمر أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة واختلال مقومات الاقتصاد اللبناني. أمّا الأزمات المتتالية التي ما زالت تشهدها البلاد، فلم تحرّك المسؤولين إلى بذل أي جهد لتغيير مسار الأمر الواقع، ما أدى إلى تدهور واسع النطاق على كافة الصعد.
في السابع عشر من تشرين الأول 2019، خرج المواطنون اللبنانيون في جميع أنحاء الوطن إلى الشوارع حيث أدانوا الطبقة السياسية وطالبوا بتنفيذ الإصلاحات الجذرية، المؤسسية والاقتصادية، التي البلاد بأمس الحاجة إليها. لكن هذا الحراك لم يكب له حتى الساعة أن يكون "الربيع اللبناني". فقد تمكن المعنيون من تجاهل هذه المطالب، إلى أن وجد لبنان نفسه، مثل بقية العالم، في مواجهة جائحة كورونا. فأدت الحاجة إلى التزام التباعد الاجتماعي إلى خنق حيوية التعبئة الشعبية.
وفي الرابع من آب الماضي، وقع الانفجار الهائل في أحد عنابر ميناء بيروت في قلب المدينة، ما أسفر عن مقتل حوالي المئتي شخص وإصابة أكثر من ستة آلاف مواطن، وتسبب بأضرار مادية تتخطى قيمتها الـ4.6 مليارات دولار. واليوم، بعد شهر ونصف الشهر من الحادثة، تندلع سلسلة من الحرائق الكبيرة في المحيط نفسه لقلب المدينة.
كان انفجار آب فضيحةً اجتماعية واقتصادية وسياسية وأخلاقية مزلزلة. إلى جانب التدمير الفوري للمنازل والشركات، تسبب بتعطيل الأنشطة التجارية، وبالتالي حرمان البلاد من العائدات الحيوية. أمّا الأضرار التي لحقت بالأحياء التاريخية وبسبل العيش وبتطلعات الشباب فلا تُحد ولا تُحصى.
كان الانفجار في واقع الأمر تتويجًا لعقود من الفساد والاستغلال والعجز وانعدام المسؤولية. منذ نهاية الحرب الأهلية في العام 1990، أهمل السياسيون والأحزاب السياسية، الذين يدينون بولائهم النهائي لقوى أجنبية، إدارة الدولة اللبنانية على نحو متزايد. بعبارة أخرى، بات لبنان موضِعًا لحروب الآخرين والتجاذبات السياسية المحيطة.
بصفتي مُحافظ بيروت، أناشد المجتمع الدولي أن يمدّ لنا يد المعونة للحفاظ على روح الحرية والتنوع والتبادل الثقافي. يمر لبنان اليوم بأزمة اجتماعية واقتصادية عميقة تتطلب اهتمامًا فوريًّا. يحتاج النظام الصحي اللبناني بشكل عاجل إلى دعم مباشر. وكأن الجائحة ليست كارثة تكفي، بل أدّى انفجار الميناء إلى تضرر العديد من المؤسسات الصحية وفرض إغلاقها، بما في ذلك مستشفى القديس جورجيوس ومستشفى الوردية… 
علاوة على ذلك، يحتاج لبنان إلى المساعدات الدولية اللازمة لإنعاش قطاعاته الاقتصادية المُنتجة. يمكن للمساهمات الهادفة من المؤسسات العالمية أن تُحدث فرقًا كبيرًا في وضع الاقتصاد على طريق الانتعاش. ولكن لدينا أيضًا حاجة وطنية ماسّة إلى دعمٍ استشاري عالمي لمساعدة مؤسسات الدولة اللبنانية المهترئة على تحديث آليات عملها وتنفيذ الإصلاحات المدعومة من أجل النمو.
وبالمثل، يحتاج لبنان إلى مساعدات مالية دولية لتقوية نظامه التعليمي. ففي غياب المدارس والجامعات الرسمية والخاصة المزدهرة، لا يمكن للبنان الاستمرار في لعب دوره الثقافي الرائد في بلاد الشام. تهدّد الأزمات المتصاعدة بيروت بتغيير هويتها، حيث يسعى الشباب لتحقيق طموحاتهم في بلدان أخرى. يتعين علينا خلق المزيد من الفرص للدراسة والتطوير الشخصي من أجل منع ظاهرة هجرة الأدمغة الكارثية ومن أجل إبقاء شبابنا في ديارهم.
ومن بين الثلاثمئة ألف من السكان الذين دُمرت منازلهم جراء الانفجار، أصبح الكثير منهم بلا مأوى يعتمدون على مساعدة الكنائس والمنظمات المحلية. لذا نحتاج إلى نظام أكثر شمولاً وشفافية لرعاية الأُسر، لدعمهم في الوقوف على أقدامهم من جديد، سواء من خلال العلاقات المباشرة بين المتبرعين والأسر المتضررة أو عن طريق وسطاء مؤسسيين موثوقين.
وفقًا للبنك الدولي، تُقدّر احتياجات القطاع العام في بيروت "لإعادة الإعمار والانعاش لهذا العام والعام المقبل في حدود 1.8 مليار و2.2 ملياري دولار أميركي". وقد بدأ بالفعل العمل على تحقيق ذلك، وبمساعدة مجموعات المجتمع المدني، بما في ذلك ائتلاف بيروت للإغاثة التابع للمنظمات غير الحكومية، وجمعية كاريتاس، وجمعية فرح العطاء، ومنظمة إنقاذ الطفولة، والجمعية الخيرية المسيحية الأرثوذكسية الدولية، وجمعية القديس بورفيريوس، والعديد من المنظمات غير الحكومية الأخرى. أصبحنا أكثر كفاءة من أي وقت مضى. وتتلخص المهمة هنا في تقديم، ليس الدعم المالي فحسب، بل أيضًا الدعم القانوني والمعنوي لأولئك الذين يقومون بإزالة الأنقاض، وتوفير الطعام والمأوى للنازحين، وغيرهم... يجب أخذ العبرة من كارثة الانفجار كفرصة لبدء التعاون المطلوب منذ فترة طويلة بين محافظة بيروت والجيش والمنظمات غير الحكومية في الخطوط الأمامية ومع الجهات الدولية المانحة.
جاء هذا الدعم المعنوي من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزعماء أجانب آخرين قاموا بزيارة بيروت في الأسابيع التي تلت الانفجار. يمكن النظر إلى الاتفاقية الأخيرة لتسمية سعادة السفير مصطفى أديب رئيسًا لمجلس وزراء لبنان باعتبارها نتيجة مباشرة للمشاركة الفرنسية. 
في الواقع، يتعين على المجتمع المدني اللبناني تحديد مستقبل البلاد. يجب أن تعمل الإصلاحات السياسية التي يحتاجها لبنان على تعزيز الهوية الوطنية غير الطائفية، الأمر الذي يتطلب تفكيرًا واضحًا، وحوارًا شفّافًا، وقيادةً حسنة النية، وتمثيلاً حقيقيًّا لجميع مواطني البلاد.

تتمثل القيمة الحقيقية لبلاد الأرز - وهي دولة صغيرة تغطي فقط 4036 ميلاً مربعاً (10.452 كم 2) - في هويتها كملاذ للتبادل الثقافي والعطاء الفكري والإبداع الفني والبحث العلمي وحرية التعبير. لا بد لنا من أجل صون هذه الهوية من طلب مساعدة المجتمع الدولي للحفاظ على مستقبل شبابنا. 
الشباب وحدهم هم الذين يجسدون أي ربيع لبناني ينتظرنا.


حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2020.