الأربعاء - 27 كانون الثاني 2021
بيروت 16 °

إعلان

مسعود الأشقر... المقاوم "الآدمي" والخصم الشريف

المصدر: "النهار"
فرج عبجي
فرج عبجي
المقاوم "الآدمي" والخصم الشريف.
المقاوم "الآدمي" والخصم الشريف.
A+ A-
حتى في معركتك الأخيرة ربحتَ يا "بوسي"، ولو خذلك قلبك الذي ظل نابضاً بالحب والصمود حتى لحظته الأخيرة في وجه فيروس كورونا القاتل. ربحت لأنك أصبحت في كل القلوب حيث مكانك الحقيقي دوماً. "الآدمي"، "نظيف الكف"، "المناضل الحقيقي"، صاحب القلب الطيب، إبن القضية، "الخصم الشريف"؛ صفات كثيرة يتمنى كل من اعتلى أهم المناصب في لبنان أن يحصل ولو على واحدة منها. بابتسامتك وبتواضعك وحبك في خدمة الآخر، أياً يكن، زرعتَ ما هو أهم من كل مناصب هذه الدنيا، واليوم حصدت بحراً من الحب، تخطى الأشرفية التي خضت أشرس المعارك لحمايتها، إلى كل الوطن. في كل زاوية من بيروت، الجعيتاوي، مار مخايل، الصيفي، الجميزة، الأشرفية، الرميل، المدور، جامع بيضون، البدوي، ساسين، حي السريان، مار متر، لك فيها قصة نضال، ومحبة. في الأفراح والأتراح كنت حاضراً، والواجب عندك أولوية، وخصوصاً في تعزية الحزانى. مسعود نجل الدكتور جوزف الأشقر، إبن الأشرفية التي يعرفها شارعاً شارعاً، في السلم تربّى فيها إلى حين ناداه الواجب للدفاع عنها، فأصبح كالرمح واقفاً في وجه كل من يريد تدمير ذاكرتها وحضورها وهويتها الحقيقة. وبعد سكوت المدفع وعودة الحياة في ظل الاحتلال السوري، لم يستسلم وأكمل مسيرته وفق رؤيته للخلاص ضد المحتل. 
 
رفض مسعود، تلميذ الحكمة ـ الأشرفية، تصرفات المنظمات الفلسطينية في لبنان والتعديات التي كانت تقوم بها وتهدد كيان الدولة اللبنانية، وانطلق في مقاومة هذا الوجود من خلال مشاركته في التظاهرات المناهضة لها مع رفاقه في الأشرفية والكتائب.
خضع مسعود للتدريب العسكري في الجيش عبر الخدمة العسكرية، وفي بداية الحرب خاض المعارك إلى جانب الجيش ومجموعة ميشال برتي. 
 
في العام 1976 انخرط فعلياً في تنظيم مسلح مع مجموعة من الشباب ومن بينهم القائد السابق للقوات اللبنانية فؤاد ابو ناضر، وشكلوا مجموعة صغيرة أطلقوا عليها اسم. G. O(GROUPE D’OPERATION)، وأسس وحدات بيروت وقادها، ثم أصبح قائداً لمنطقة بيروت. ثم تسلّم الشعبة الثالثة في "القوات اللبنانية. ويشرح أبو ناضر لـ"النهار" عن حماس بوسي الذي كان مثل "الزنبرك" في الليل والنهار ويتنقل من متراس إلى آخر، ومن حاجز إلى آخر، ومن ثكنة إلى أخرى. قال: "بوسي خلق علاقة قوية جداً بينه وبين المقاتلين في بيروت، فشاركهم في كل شيء، من القتال إلى الطعام، ونقل الجرحى والمصابين، والقتال كتفاً إلى كتف، وهذه العلاقة المميزة ما زالت حتى اليوم موجودة مع من قاتل إلى جانبه".
 
وكان بوسي يعلم حجم المسؤولية التي أوكلها إليه قائد القوات اللبنانية بشير الجميل في حماية جبهة بيروت وتأسيس وحدات قوية لحماية الأشرفية والبيت المركزي لحزب الكتائب والمجلس الحربي للقوات اللبنانية، ونجح في المهمة. 
 
قيومجيان: خصم شريف ولبناني أصيل
الوزير السابق ريشار قيومجيان، الذي شارك في النضال العسكري مع بوسي في "القوات"، وتنافسا إنتخابياً في الأشرفية، لكن محبتهما لبعضهما ظلت أكبر من كل شيء. قال لـ"النهار": "مع رحيل بوسي الاشقر انطوت صفحة من التاريخ النضالي، لكنها تبقى في الوجدان عميقة وراسخة، ونحن ننتمي إلى جيل المقاتلين المراهقين الذين حملوا السلاح بعفوية للدفاع عن بلدنا وسيادته في وجه الغرباء، لم نقاتل سوياً على نفس الجبهة، لكن كنت دوماً التقي به في جبهة الأسواق، في المجلس الحربي، في الشعبة الثالثة، كانت علاقته بالمقاتلين مميزة جداً، لم يشعرهم يوماً بأنه المسؤول عنهم بل صديقهم، وأحبوه كثيراً، وما زالوا". وعن مرحلة ما بعد الحرب، يقول قيومجيان: "بعد أعوام عدنا والتقينا في الانتخابات النيابية في الأشرفية في العام 2009، وكنا في موقعين سياسيين مختلفين، ورغم ذلك كان خصماً شريفاً، وأخاً محباً وصديقاً دائماً، ومناضلاً لبنانياً أصيلاً، وتنافسنا على خدمة أهالي الأشرفية والأحياء التي كنا نحبها ودافعنا عنها، وظل يخدم الناس من مختلف الأطراف السياسية وبصمت، برحيله خسرنا ركناً أساسياً للقضية التي ناضلنا من أجلها حتى الشهادة، السياسة فرقتنا، لكنّ شهداءنا يجمعوننا مع بوسي. ربحوه اليوم في السماء". 
 
عاقل: بوسي كان ظاهرة في الأشرفية
أما رياض عاقل، أحد المناضلين الذين خاضوا معارك النضال إلى جانب مسعود في الجبهات من ضمن وحدات الدفاع في بيروت، وتنافس معه أيضاً في الانتخابات النيابية الاخيرة، فيعتبر أن "بوسي كان ظاهرة في الأشرفية، كان قريباً من الجميع، وكان يعلم "الشاردة والواردة" على جبهة بيروت، ولم يغب عن معركة في بيروت، وكان دوماً في الطليعة بشخصيته القوية، وعندما استلم الشعبة الثالثة لم يترك جبهة لم يزرها، ويطّلع على أحوال المقاتلين ويقويهم، عشنا الحلو والمر مع بوسي، وكان لي الشرف أن أخوض المعارك تحت أمرته". وتابع: "أشهد أنه كان يساعد الكثير من الناس، والبعض منهم ليسوا معه في السياسة، كان ظاهرة في الأشرفية والعالم تحبه كثيراً، وحاولت مراراً أن أقنعه بالعودة إلى خط "القوات" حيث كنت أعتبر أنه مكانه الطبيعي فلم أوفق، وتنافسنا في الانتخابات 2018 في جبهتين سياسيتين لا تلتقيان، وخسرنا نحن الاثنين، وفي اليوم التالي اتصل بي وحاول أن يخفف من خسارتي، وكأنه لم يكترث لخسارته". 
 
"ما بدي حداً يكون حزين بهالعيد"
ومن رفاقه الذين خدموا الاشرفية معه في مكتبه شوقي كنعان الناظر في مدرسة الحكمة التي يعشقها مسعود، تحدث لـ"النهار" عن النشاط الذي كان يقوم به لمساعدة من معه ومن ضده، وبصمت. وقال: "كان يوجّهنا دوماً لمساعدة الجميع والوقوف إلى جانبهم، وفي بعض الأوقات نقول له: "هيدا ما بيصوّت بالمنطقة"، فيكون جوابه: "ساعدوهم الله بيرد عن ولادنا ويحميهن، لو ساعدوه جماعته ما قَصَدنا"، ولم يخيّب يوماً أمل أي شخص قصده، حتى من خاصمه في السياسة". وأضاف: "بعد انفجار المرفأ عمل جاهداً لتأمين المساعدات لأهالي المنطقة، وخلال إصابته بكورونا اجتمع معنا عبر الفيديو، ووجَّهَنا لتوزيع المساعدات إلى المحتاجين، قائلاً: "ما بدي حداً يعّيد من دون مساعدة منا ويكون مبسوط بهالعيد". 
رحل بوسي حاملاً معه جعبة من الحب وكنزاً من الصلوات والدعوات ليواجه خالقه. لقد كان أميناً على القليل، ونجح، ودخل فرح سيده. 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم