السبت - 05 كانون الأول 2020
بيروت 21 °

إعلان

لبنان والجريمة الاقتصاديّة المنظّمة

المصدر: النهار - د. خلدون عبد الصمد
بدأ مصطلح الجريمة المنظمة اقتصادياً بالظهور بشكل واسع إبان الأزمة الاقتصادية العالمية
بدأ مصطلح الجريمة المنظمة اقتصادياً بالظهور بشكل واسع إبان الأزمة الاقتصادية العالمية
A+ A-
بدأ مصطلح الجريمة المنظمة اقتصادياً بالظهور بشكل واسع إبان الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت اقتصادات العالم كافة عام ١٩٢٩، وتطورت قدراتها مع كل أزمة اقتصادية عالمية أو محلية، فهي عادة ما تبدأ مع الأزمات وهدفها في بادئ الأمر الربح السريع عبر طرق ملتوية وغير سليمة، وتزداد حدتها إلى أن تضرب الاقتصاد الوطني ككل، ومن الجدير ذكره أنها بدأت تظهر كشأن محلي يخص بلداً معيناً، إلا أنه تطور في الفترة الاخيرة نظراً للتحرر الاقتصادي وحرية التجارة والخدمات ليطاول كافة الاقتصاد العالمي.
وتعتمد الجريمة المنظمة على ضعف الدول اقتصادياً وسياسياً وأمنياً وقضائياً، ومن المعلوم أن الضعف الاقتصادي لبلد ما قد يتطور سريعاً بغياب الاصلاحات إلى مشكلة اجتماعية عامة حيث تزيد البطالة ومعدلات الفقر وبالتالي تزيد نسبة الجرائم الصغيرة والتي بدورها قد تتطور مع الوقت لتصبح جرائم تطاول القطاعات الاقتصادية كافة، فالانهيار الاقتصادي الحاد وخاصة إن طالت معالجته، لهو الباب الرئيسي لدخول الجرائم المنظمة إليه، فانشغال الهيئات كافة في معالجة الانهيار الاقتصادي كما يحصل حالياً في لبنان، يجعل تلك الجرائم حاضرة بقوة على الساحة، فتصبح أولويات المجتمع الحصول على لقمة العيش والهروب من الفقر والعوز، وبالتالي تصبح فرصة دخول التجارات الممنوعة أكثر قابلية وأكثر نشاطاً.
ولعل من أهم صور تلك الجرائم التي قد تدخل من خلال الأزمات الاقتصادية وتأخذ القوة الاقتصادية نحو حقول جديدة ممنوعة، هي حلول تجارة الممنوعات السريعة الربح كالمخدرات والأسلحة بدلاً من التجارة التي تعاني مع واقع الأزمة، وكذلك التهريب عبر الحدود منعاً لدفع الضرائب للدولة لتخفيف الأعباء، والتي ستؤثر بالتأكيد على مداخيل الدولة عامة، ولكل ذلك تزيد الرشاوى والفساد والمحسوبيات في الادارات والمرافق إضافة إلى تبيض الاموال وتجارة العملات في السوق السوداء كما وتهريب الادوية والمواد الاولية الفاسدة والجرائم الالكترونية والمعلوماتية من قرصنة وابتزاز، وهذا ما يزيد من تفاقم الازمة كثيراً وتأخذ البلاد إلى منحى خطير اقتصادياً واجتماعياً وحياتياً.
وكان واضحاً من خلال شروط صندوق النقد الدولي وغالبية الدولة المانحة لمساعدة لبنان وأهمها اعتماد الشفافية ومحاربة الفساد، فالوضع الراهن يعاني ليس فقط من أزمة اقتصادية تؤثر على المجتمع والدولة بشكل عام، بل إنه يصل إلى سوء الادارة أو عدم فهم طريقة التعامل مع الازمات قبل تفاقمها. إن أخطر الازمات على المجتمعات هي الازمات الاقتصادية حيث إنها تضرب كافة الفئات، ويجب البدء بإيجاد أدوات الحل لوقف عملية دخول الجرائم المنظمة التي قد تتفشى بسرعة مرعبة، وتكمن الحلول عبر مسارين، أولهما الحلول السريعة ومن ثم الحلول على المدى الطويل.
فالحلول السريعة يجب ان تبدأ باستقلالية القضاء، فهو الباب الاول والاساسي للبدء بوقف الفساد وعمليات الجرائم الاقتصادية المنظمة، تليها بالطبع المراقبة والمحاسبة الادارية في كافة المرافق الحيوية في البلاد، لإعادة بعض مكاسب الدولة والحفاظ قدر الامكان على عدم ضياع الاحتياط المالي او إفلاس الخزينة، ثم معالجة الدخل الفردي وسعر الصرف والغلاء والتضخم وفتح أبواب العمالة وتضييق البطالة قدر الامكان، فهذه المؤشرات هي ما يحمي المجتمعات من الجرائم والفساد والتهريب والاقتصاد الاسود، أما على صعيد الخطوات طويلة الأمد، فهي تلك الخطط الاقتصادية المتكاملة والتي تتشكل بالتعاون مع المؤسسات الدولية كافة لإعادة بناء الثقة لا سيما نقدياً ومالياً من خلال القروض والمساعدات والتعاون الأمني والقضائي للحد من الجرائم.
يقف لبنان حالياً على الحد الفاصل بين التحول إلى دولة تمتلكها العصابات والتجار وبين دولة مدنية تعيد أمجاد لبنان التاريخية كبلد منفتح جاذب لرؤوس الاموال النظيفة... ونحن من سيحدد إلى أين المصير.

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم