السبت - 02 تموز 2022
بيروت 25 °

إعلان

النظام العالمي الجديد... متى؟

المصدر: النهار - ماجد المقصود ــ كندا
أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بويتن أمام منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي، أن النظام العالمي، أحادي القطب قد انتهى وهناك نظام جديد
أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بويتن أمام منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي، أن النظام العالمي، أحادي القطب قد انتهى وهناك نظام جديد
A+ A-
أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بويتن أمام منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي، أن النظام العالمي، أحادي القطب قد انتهى وهناك نظام جديد، اقتصادي، مالي وعسكري عالمي قد بدأ. طبعاً هو يقصد تحالف الصين وروسيا معاً بمواجهة أميركا، لكنني أعتقد لبلوغ هذا النظام هناك عقبات كبيرة جداً، والطرف الثاني المغري في الموضوع هي الصين التي تراقب حرب روسيا باهتمام شديد لكن دون أي دعم يذكر.
اقتصاد روسيا، وقادتها يعلمون ذلك، لا يمكن أن يكون طرفاً قطبياً مالياً موازياً للدولار، لكنها أنشأت نظامها للدفع، وكذلك الصين فعلت، ولكل أسبابه، غير أن حجم التبادل التجاري بين الصين وباقي دول العالم أكبر وبكثير من حجم التبادل التجاري بين روسيا والباقين، لذلك ما يعنينا فعلياً، هي العملة الصينية كنظام مالي قد تنافس الدولار.
سيكون جديراً بالاهتمام، من هذه الناحية، مراقبة سلوك البنوك المركزية للدول، إذا اختارت أن تجمع في احتياطاتها اليوان وهو ما سيضعف وضع الدولار عالمياً حتماً بنسبة معينة، لكن قبل كل هذا الكلام، يجب أن نتفق على أن نظرة البشر ونظمهم تتغير باستمرار أو في طور التطور الدائم، وأن شعوب العالم الثالث، التي تمثل الأغلبية، على هذا الكوكب أصبحت موجودة على الخريطة الدولية كشريك من خلال الشبكة على التلفون والانترنت، أعني كمية المعرفة وسهولة التفاعل المتاحة للجميع، والأفكار والحلول للمشاكل أصبحت ليست حكراً على دول الغرب دون سواه، وعليه لا شيء مستحيلاً إطلاقاً في عالم اليوم.
غير أنني أود أن ألحظ أنه، رغم المشكلات الموجودة في العالم الغربي، حيث الديمقراطيات المكبلة بالكثير من الروتين الإداري والقوانين، إلا أنها استطاعت جذب عدد كبير من أبناء دول العالم الأخرى، وخصوصاً المتفوقين في مجالاتهم، واستثمرت بعقولهم. وهذه نقطة قوة تحسب لها غير متوفرة في الدول الأخرى التي، منها من تحمل علناً رايتها على أساس عرقي أو لغوي كما حال الرئيس الروسي اليوم. فهو يريد عالماً سلافياً متكاملاً، فعاد في الأزمنة إلى الماضي وشن حرباً على أوكرانيا بحجة توحيد دول هذا العرق، وأثار قلقاً عالمياً منطقياً جداً لناحية قدسية الحدود الدولية وخرق نظام قائم متوازن نوعا ما منذ الحرب العالمية الثانية.
الصين من جهتها ستحاول أن تستثمر في حرب روسيا لتسريع وتيرة خطتها بأن تكون سيدة العالم يوماً ما، وهي ذات التاريخ العريق، ولكن ما سيجعل خطتها تنجح أو تفشل هو كم التميز والانفتاح والإبداع التي ستنتجها، وإلا سيقع مشروعها في مشاكل كبيرة، وأيضاً قضية ضم تايوان الجزيرة البعيدة نوعا ما عن البر الصيني، وهي حرب يمكن أن تكلف الصين الكثير إذا ما قررت فعلياً ضم الجزيرة بالقوة العسكرية.
وهناك من يقول إن الصين وروسيا ومعهما الهند سيكونون حلفاء، لكن علينا أن نعلم أن الهند والصين مختلفان في كل شيء تقريباً ولديهما خلافات عميقة، لذلك قبل أن نصل إلى هذا النظام الجديد هناك الكثير من المفاجآت في المستقبل. فالغرب أطلق قطاره للاستغناء عن الطاقة التقليدية، وهو رائد في هذا المجال. فمثلاً بريطانيا بحدود عام 2035 سيكون 80% من طاقتها الكهربائية متجددة، وأغلب سياراتها كهربائية. وإذا أردنا أن نقيم التأثير العالمي، فعلينا أن لا نهمل عناصر اللغة والثقافة والعلوم والجامعات ونوعية التعليم، في كل من أميركا وبريطانيا وكل ما لهذه الأمور من تأثير على نمط حياة الشعوب الأخرى.
إذن مواجهة فعلية وحرب طاحنة تدور رحاها في أوكرانيا، ومعها حوالي مليار إنسان يدعمها إلى أقصى الحدود، أعني سكان أوروبا وأميركا الشمالية وأوستراليا. ورغم بعض التباينات التي هي طبيعية في الدول الديمقراطية، إلا أن اقتصادها يفوق الستين ألف مليار دولار. وهناك روسيا ومعها على الورق، بعض الدعم الإعلامي من بعض الدول الذي لا يغني عن جوع وسلاح الغاز والصواريخ النووية، لكن أوروبا حزمت أمرها بأن اعتمادها على الغاز الروسي سينتهي قريباً جداً، وأسرع بكثير من كل التوقعات، وهو ما سيؤثر كثيراً على الاقتصاد الروسي، فينكمش بحدود حوالي 15% ونتيجته ستكون ملايين العاطلين عن العمل. وهناك آلاف الأغنياء الروس بدؤوا يبحثون عن الهجرة بحسب تقرير صدر مؤخراً. الغرب في المقابل، بقيادة أميركا، اخترق كل الحدود المتوقعة لمعاقبة روسيا وصادر أملاك مواطنين روس، وسيبيعونها في المزادات لتحويل الأموال إلى أوكرانيا. كما أن فنلندا والسويد ستدخلان في حلف الناتو بعد تذليل عقبة اعتراض تركيا، وإذا ما حدث ستكون روسيا محاصرة أكثر من أي وقت مضى وخصوصاً بعد تعثر حربها في أوكرانيا. فالأوامر كانت احتلال كييف ومقر البرلمان والحكومة خلال أول يوم من الهجوم ولم تكن تتوقع هذه المقاومة الشرسة.
إذن، الواضح حتى الآن، أن الحرب ستطول، فالغرب وعد بالوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية، والأوضاع العالمية تنذر بالتصعيد، وبريطانيا التي تقود الهجوم الكاسح هددها بوتين بضربات صاروخية. ومع أن روسيا اليوم تستجدي المفاوضات، في ظل رفض أوكراني، فهي تريد ابتزاز أوكرانيا بقضية خيرسون وزاباروجي مقابل القرم والدونباس، غير أن الرئيس زيلينسكي رفض المفاوضات حالياً فهو يعتقد بإمكان طرد الروس إلى ما بعد خط 24 شباط.
خلاصة، نستطيع أن نقول إن دول الشرق والغرب كليهما يخسر، فبورصة الصين خسرت حوالي ألفي مليار دولار خلال هذا العام، كما أن بورصات أميركا هبطت بشكل كبير، والتضخم مشكلة يواجهها الجميع، وأصبحت مشاكل العالم معقدة أكثر مما كانت قبل أزمة كورونا. وعليه لا يمكن أن نعول على كلام الرئيس الروسي بأن نظاماً جديداً قد ولد فعلياً. أعتقد أنه من المبكر جداً الحديث عن هذه الولادة وليس قبل بضعة أعوام إذا ما حصلت.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم