السبت - 26 أيلول 2020
بيروت 30 °

لبنان يخسر تعدّديّته

المصدر: النهار
يهود لبنان
يهود لبنان
A+ A-
كريم صلاح الدّين
لطالما شكّل لبنان نقطة تلاقٍ بين مختلف حضارات العالم منذ ما قبل الميلاد وحتى تاريخنا الحديث. والأكيد أنّ التّعدّديّة الديموغرافيّة للبلاد أمّنت له القاعدة الأساسيّة لتحويله إلى موطن الحرّيّات والديموقراطيّة في منطقة كانت ولا تزال ساحة للصراعات الأهليّة المشتعلة بنيران القوميّة الإثنيّة التّعصّبيّة. ورغم الأجواء المتشنّجة الّتي حاصرتها تمكّنت بلاد الأرز من المحافظة على أبرز سماتها السّكّانيّة في محاولة تنصيب نفسها كبارقة أمل شرق-أوسطيّة تنده بالتّعدّديّة والعيش المشترك. وعاد اتّفاق الطّائف ليؤكّد من جديد عبر دستوره أنّ لبنان وطنٌ نهائيٌ لجميع أبنائه.
مع ذلك يصعب غضّ الطّرف عن المراحل التّاريخيّة اللّبنانيّة الّتي حملت في طيّاتها هجرة أركانٍ أساسيّة من نسيج لبنان، البعض منها عاد بعد زمن، فيما فرضت الظّروف على غيرها من الجماعات البقاء في الخارج. هنا نشير إلى الهجرة اليهوديّة الّتي برزت بعد أحداث عام 1958. وكان قبل ذلك لبنان، وبيروت على وجه الخصوص، مركزًا جامعًا لأبناء الطّائفة اليهوديّة حيث رجّحت بعض المصادر التّاريخيّة تخطّي عدد السّكّان اليهود الأربعة عشر ألف نسمة لتنخرط في الحياة السّياسيّة اللّبنانيّة وتنشئ لنفسها دور عبادة في مختلف أرجاء الوطن. لم يبقَ اليوم سوى أثر بسيط لهذا المجتمع متمثّلًا ببضعة أسماء على لوائح الشّطب بالإضافة إلى ما يحتويه حتّى اليوم وادي أبو جميل في العاصمة من دلالات الثّقافة اليهوديّة.
اليوم عاد شبح الهجرة ليحوم من جديد في أصعب تجارب السّلم الأهليّ الّذي بات مهدّدًا بالزّوال إذا ما استمرّت الأحوال على ما هي. المبكي في الأمر أن أسباب الهجرة الشّبابيّة والمسيحيّة على وجه الخصوص ليست ناتجة عن خوف من اضطهاد أو مسح عرقيّ، وإنّما نتيجة سياسات خاطئة اتّبعها أكثر مَن أوهم جمهوره أنّه حاملٌ على عاتقه معركة استعادة حقوق المسيحيّين ليخذلهم بعد سنوات ويفرض عليهم التّخلي عن تراب وطن تزيّن بأجدادهم ونشأ على مشروعهم، فلا يمكن إنكار المساهمات المسيحيّة في قيام نظام لبنان التّربويّ الحديث والسّياسيّ القديم بما له وما عليه، فضلًا عن إضفاء نكهة جميلة على الثقافة اللّبنانيّة.
وتعود كثافة الهجرة المسيحيّة اليوم بشكل أساسيّ إلى تعدّد الدّاخل المسيحيّ وارتباط بعضهم تاريخيّا بالخارج (الأرمن على وجه الخصوص). خسارة العامل المسيحيّ بشكل عامّ يعني خسارة لبنان، وتحويله من همزة وصل إلى دولة كسائر الدّول القريبة ذات صبغة واحدة، ليفقد بذلك لبنان السّمة الّتي ميّزته عن جيرانه لعقود.
مخطئٌ من يعتقد أنّ هذه المسألة معادية لمفهوم الدّولة المدنيّة أو أنّ طرحها قد يزيد من الاحتقان بين المجموعات، فهي مسألة هويّة لا علاقة لها بتحويل البلاد إلى دولة مدنيّة من عدمه، علمًا أنّ الحاجة إلى قانون أحوال شخصيّة مدنيّة يتضاءل مع انخفاض التّعدّديّة الديموغرافيّة، فيبقى القانون المدنيّ إذا ما أُقرّ أكبر إنجازات البلاد لتمكّنه من جمع مختلف الفئات تحت كنف قانون واحد يرعى حقوق الجميع دون المسّ بمشاعر أحد منهم. أمّا الامتناع عن إثارة المسألة والتّغيّر السّكّاني الّذي بات محتومًا في حال فشلت القيادات السّياسيّة في إدارة الإنهيار فيعني حتمًا فقدان ركن من أركان تاريخ البلاد.
ويعلم الجميع أنّ التّجارب السّياسيّة المصبوغة بالطّائفية مسؤولة إلى حدّ كبير عن دخول لبنان في نفق الصراعات الإقليميّة الّتي نالت من حسن سمعة استقراره الأمنيّ وسلمه الأهليّ، لكنّها في الوقت عينه فشلت في خرق نسيجه الاجتماعي وتمزيق الروابط بين كياناته، لتبقى التّشكيلة الديموغرافيّة في لبنان نعمة ونقمة في آنٍ واحدٍ، باعتبار أنّ الأخيرة خلقت نبضًا جديدًا للحياة الديموقراطيّة في خمسينيّات القرن الماضي، نبعت منها العديد من الأفكار الإصلاحيّة.
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى الدّور المسيحيّ الفعّال في تكوين لبنان، وتمييزه عن محيطه من خلال نقل صورة حضاريّة عن نموذج من التّعايش نجا من نكسات عدّة، تمامًا كما ساهم الوجود اليهوديّ سابقًا في تثبيت مبادئ الحوار والتّلاقي. ويبقى التّاريخ شاهدٌ على انخراط اليهود في الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة سابقًا، ونذكرعلى سبيل المثال الاحتفالات الدينيّة في كنيس ماغين أبراهام الّتي اعتاد الرّئيس الرّاحل كميل شمعون على المشاركة فيها، فضلًا عن تحرّكاتهم الرّافضة لمنظّمة يشوف المتطرّفة الّتي أخذت من فلسطين مركزًا لها لتروّج للصّهيونيّة، وإنشاء معاهد لتدريس العبريّة في وادي أبو جميل.
وإذا ما حتّم علينا أصحاب السّلطة الفشل في مواجهة إسرائيل عسكريًّا، يجدر بنا التّفكير جدّيًّا في استراتيجيّة جديدة لإعلان المواجهة الثّقافيّة على تل أبيب من بوّابة استعادة الجنسيّة اللّبنانيّة لأبناء أكثر من 14 ألف يهوديّ لبنانيّ بما يكسر الادّعاءات الصّهيونيّة أنّ إسرائيل وطنٌ نهائيٌ لليهود. تبقى حينها ورقة المجتمع العبريّ في لبنان أفضل سلاح تمتلكه الجمهوريّة للمواجهة، فإذا ما أخذت المبادرة وتقدّمت بتعهّدات واضحة لمواطنيها اليهود، قد نشهد واقعًا جديدًا في فترة لا تتعدّى الخمس عشرة سنة.
نرفض كلبنانيّين بطبيعة الحال نَسب إنجازات الأفراد والجماعات إليهم حصرًا، لا بل نطالب بتقديم ما لدينا من خبرات باسم لبنان الـ 10452 كم مربّعاً، فإقصاء فريق يعني زوال لبنان إدراكًا منّا بأن التّاريخ ليس وجهة نظر ولا قصّة وضعها صاحبها بتصرّف القرّاء، فهو واحدٌ لا يتجزّأ. لا يمكن إذًا التّنكّر لدور جماعةٍ، أيًّا كانت، في نقل رسالة السّلام السّاميّة الّتي لطالمنا أردناها، وهذا ما يضعنا أمام واجب تغيير النّهج الحاليّ لحماية لبنان في مئويّته، تمامًا كما أبدينا استعدادنا سابقًا لمنع تهميش مطلق فئة لبنانيّة. ولا يمكن العبور إلى دولة مدنيّة دون تغيير العقليّة السّائدة عند البعض، ويتطلّب ذلك اعترافًا واضحًا من الجميع أنّ الوطن لا مستقبل له بدونهم، ولا مستقبل لهم دون غيرهم.
تبقى الدّولة المدنيّة وحدها الحلّ الأنسب لتحقيق المساواة وتخفيف الاحتقان والتّأكيد على حقّ كل مواطن في الطّموح إلى أفضل وأرقى المراتب في دولته دون الاصطدام بحواجز طائفيّة خبيثة فشلت في إيداع الشخصيّة المناسبة في المكان المناسب، خاصّة في زمن ينصبّ اهتمامنا على إيجاد حلول للأزمة الرّاهنة بعيداً من معتقدات أصحاب المسؤوليّة، فقد حان الوقت لوضع حدّ لمشاعر الاضطهاد المتزايدة لدى البعض النابعة من الوقوف عند هويّتهم الدينيّة بدلًا من سيرتهم الذاتيّة.