الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 26 °

"طوارق": احتكامٌ للتقاليد يورثُ ثورة إنسانيّة

المصدر: النهار
طوارق
طوارق
A+ A-
نسرين بلوط
يطوفُ بنا الكاتب ألبرتو باثكث فيكيروا في ثنايا العادات القديمة لقبيلة الطوارق، ويخصّ في روايته "طوارق" قبيلة "إموهاغ" التي سكنت الصحراء منذ نعومة انبثاقها للحياة ونصبت محيطها عبر رمالها ورياحها ونخيلها، من غير اكتراثٍ للسياسة وتداعياتها أو للمحيط الإيديولجي والسوسيولوجي للمجتمع المتمدّن.
فرغم الإنحناءات البيئية التي تتشكّل عادة في كلّ مجتمع، والتعرّجات المعيشيّة، حافظت تلك القبيلة على كفاف عيشها من خلال تربيتها للمواشي والأغنام وحفظها عن ظهر قلب مخاطر الصحراء وسُبلها وتفرّعاتها التي لماماً ما يتقنها الرحّالون رغم تمعّنهم بالخرائط التي لا تحوي سوى الصورة المؤطّرة للكثبان.
"غزال" هو بطل الرواية وزعيم القبيلة الطارقية التي تسكنُ الصحراء، ويعيش فيها مع زوجته وأولاده وخادمه الوفي، يحيا على نبؤة قديمة تكهّنت بها العجوز كلثوم بأنّه سيموت بعيداً من أرضه وبأنّ زوجته ستعيش مستقبلاً داكن الملامح من بعده.
ما تستحضره ذاكرته هو أنّ الفرنسيين نجحوا في أن يتغلّبوا على شعب اللثام، كما يصف، فتشتّتت عائلاتهم على تخوم الصحراء، ولكنهم ظلوا أسياد الصحراء.
تنقلبُ حياته رأساً على عقب عندما يدهم خيمته عجوزٌ على وشك الموت يحمله على أكتافه شابٌ عليل طلباً للحماية. ومن تقاليد قبيلته ألا يردّ ضيفاً قصده في دياره حتى لو كان عدوّاً له؛ يعرف منهما لاحقاً بأنّ البلاد ما عادت تحت وطأة النير الفرنسي، وأنّ رقبة الوطن قد حُرّرت من الاستعمار غير أنّها ترزح تحت استعمارٍ داخلي خطير.
ولكنّ الجنود يقتحمون خيمته ذات يومٍ مع دليلٍ لطرقات الصحراء وهو طارقيٌّ أيضاً، وبقوّة السلاح، رغم معارضته على تعرّضهم لضيفيه؛ يقتلون الشاب ويأخذون العجوز أسيراً. تتّقد روح الانتقام في صدر غزال الذي نشأ وتربّى على احترام مبادئ القبيلة وأهمّها عدم التعرّض لضيوفهم، وإلا كان انتهاكاً للعرض والكرامة، فيرسل عائلته إلى منطقة أخرى في الصحراء، ويذهب ممتطياً جمله للرجل الطارقي الدليل الذي أحضر الجنود إلى خيمته، فيبارزه حتى يقتله، ثم يتوجّه إلى موقع عدوراس العسكري فيقتل الضابط الذي اقتحم عليه خيمته وقتل ضيفه الشاب، فيلاحقه الجنود ويحاصرونه في منطقة جافة قاحلة حتى ييأس ويسلّم نفسه، غير أنّه يقوم بخداعهم ويأخذ ضابطهم رهينة كي ينجو من الموت.
رحلة شاقّة تتخلّلها مغامراتٌ جمّة حيث يأكل لحم جمله ويشرب دماءه ليتصبّر على بلاء الجوع والعطش، ثم يعرف بأنّ ضيفه الأسير اسمه عبد الكبير وهو معارضٌ للحكومة وثائرٌ عليها وقد تمّ أسره حتى لا ينقسم الرأي العام بين الناس وتحدث فتنة داخلية، فيقتحم سجنه ويقوم بقتل الجنود الموجودين فيه ويحرّره ويعبر به الحدود متكبّداً الخوف والجوع والهواء المتعجرف الجاف الذي داهمهما وهما في أخطر منطقة في الصحراء والأكثر وحشة حيث ضاعت فيها قافلة بأسرها منذ سنوات محمّلة بالذهب والفضّة والنقود الذهبية، فيعثر في طريقه على بقايا منها، وهي جماجم بشرية تنضح عظامها بمأساة الموت ودهشة الحتف الأخير. يتزوّد بالنقود لتساعده في سفره الطويل، ويعبر الحدود بعبد الكبير حتى يتسلّمه منه الجنود المعارضون للحكومة من الجهة الأخرى شاكرين، وعندها يقرّر العودة إلى ربوع أهله وناسه ولكنّه يعلم من طريق رحّالٍ بدوي بأنّ الجنود قاموا باختطاف زوجته وأبنائه حتى يقايضوه بهم- جاهلاً بأنّ عائلته قد حُرّرت فيما بعد بأمرٍ من ضابط معارض- يجنّ جنونه ويقصد المدينة مستخدماً القطار لأول مرّة في حياته، بلثام يخفي وجهه كعادة الطوارق الخالدة، ويقصد مبنى الوزارة ليدسّ رسالة شفهية للوزير ماداني، أو إنذاراً بأنّه إن لم يتسلّم عائلته بعد يومين سيقوم بقتل رئيس الجمهورية.
تقوم الشرطة بتعقّبه وترصده في إحدى الليالي رغم إماطته للثام عن وجهه وحلقه لشعره ولباسه المتحضّر الذي ارتداه للتمويه، وتطلق عليه رصاصة تكاد تفتك به ولكنّه يستيقط بعد أيّام ليجد نفسه سليماً معافى، فيتذكّر نبوءة العجوز أم كلثوم ويعتقد بأنّها خابت في توقعاتها فهو حيٌّ يرزق رغم كلّ التمزّقات المسارية التي تعرّض لها، فقد واجهها بعزمٍ واعتدادٍ وكبرياء محافظاً على اسم الطوارق ونبلهم وعاداتهم.
يهمّ بالتخلّي عن كلّ شيء والعودة إلى دياره عندما يصادف في طريق عودته موكب رئيس الجمهورية، فيظنّ أنّ الله قد وضعه في طريقه للانتقام منه على ما ألحق به وبعائلته من أذى وضرر، فيقوم بالتصويب عليه في سيارته وهو يقف فيها محيّياً الجماهير، وفي اللحظة التي تنطلق الرصاصة فيها لتخترق صدره تبدو الدهشة على الإثنين، القاتل والمقتول، فالرئيس كان عبد الكبير الذي نجحت ثورته وانتخبه الشعب منذ أيّامٍ فقط، وهو من ضحّى في سبيل ضيافته المشؤومة بعائلته وهنائه وطمأنينته، وقد حصل التغيّر السياسي ولم يفطن له بسبب انهماكه بمتاعبه التي جرّته إليها تقاليده العمياء التي تحرّم تحريماً قاطعاً إهانة الضيوف أو خطفهم، سوءاً كانوا مجرمين أو ملوكاً.
ألبرتو باثكث فيكيروا برع في تصوير الصحراء بدقّة متناهية في مقاربة مع الكاتب الصحراوي إبرهيم الكوني، وركّز على عاداتٍ مقدّسة تحكم القبائل الصحراوية كالقلادة في الأعناق تتشبّث بهم عبر الأجيال وقد تدفعهم لتغيير وجه التاريخ من أجل الحفاظ عليها، وكانت نهاية روايته مثالية تفتح الآفاق لتأويلات شفّافة لامرئيّة ومضيئة في آنٍ معاً.