السبت - 26 أيلول 2020
بيروت 29 °

"لأنّ الحرف يقتل، أمّا الرّوح فيُحيي"

المصدر: النهار
 الأخبار المفبركة أو المزيّفة أو الكاذبة، أو الأحداث المصطنعة
الأخبار المفبركة أو المزيّفة أو الكاذبة، أو الأحداث المصطنعة
A+ A-
كاتيا نادر
باحثة لبنانيّة في الفلسفة والعلوم السّياسيّة والاجتماعيّة

الأخبار المفبركة أو المزيّفة أو الكاذبة، أو الأحداث المصطنعة...

عناوين كثيرة للسّلاح المستخدم من قِبل وسائل الإعلام في الحرب الكونيّة المُعاشة اليوم لصناعة الرّأي العام والتّأثير فيه، فيما قلّة من النّاس (تقريباً ٢٠%) تستطيع التّمييز بين الأخبار الصّحيحة والأخبار المفبركة بسبب بناء المفاهيم المختلفة بالتّواتر الشّعبي دون التّقصّي عن مصادرها أو التّحقّق من صحّتها أو محاولة التّثقيف الذّاتي.

أبسط خبرٍ يشعل الرّأي العام بسرعةٍ قياسيّة، ويقسم الآراء بين متضامن ورافضٍ وحانقٍ ومتأثّر... لكنّ المؤسف أن الأغلبيّة من النّاس تتبنّى الخبر وتنقله وتتناقله دون العودة إلى مصدره أو التّأكّد من صحّته، وكأنّي بهم في سباق نحو سبقٍ يهدف لتسجيل أكبر عدد من الإعجاب والتّعليقات والمشاركة. وتُعتبر تلك الخطوة هي الأسهل، وكم يصعب لملمة الخبر الكاذب وحذفه من وجدان النّاس حتّى بعد تكذيبه ونشر التّوضيح حوله.

إنّ خطورة ما آلَت إليه حياتنا المنقادة إلى دركات المؤامرات السّالبة لأيّ سلامٍ متبقٍّ في نفوسنا أصبحت أمراً واقعاً ومؤسفاً. وإن كنّا قد انجرفنا إلى أحضان تلك العادة السّيّئة لقلّة وعينا وحسّنا بالمسؤوليّة، وأصبحنا لاإراديّاً منفّذين سلبيّين لمخطّطات هذه الحرب، إلّا أنّ تركيبات وتلفيقات بعض وسائل الإعلام الّتي تجنّدت لتحقيق الأجندات الماسونيّة الشّيطانيّة في حربها الأزليّة الأبديّة ضدّ الخير واصطياد النّفوس لإبعادها عن خلاصها، لا مبرّر لها لإهمال دورها العلمي والمهني والأخلاقي بالقيام بمسؤوليّة تكوين الرّأي العام بموضوعيّة بهدف البناء لا الهدم، خاصّةً في ظلّ نظامٍ يتغنّى بقوانين مغبرّة لا أحد يحترمها، لأنّ مشرِّعيها أنفسهم لا يطبّقونها ولا يفرضونها.

إنّ هذه الصّناعة، صناعة الرّأي العام، وُلدت منذ أتقن الإنسان الكلام. لقد كان تناقل الخبر بطيئاً ومؤثّراً في مجموعة صغيرة من النّاس وضمن مناطق جغرافيّة محدودة، ولكن مع التّطوّر الهائل في يومنا هذا، نجد الخبر ينتقل بسرعة فائقة، يتخطّى المؤلّف ليعبر حدود المكان والزّمان، ويُحدِث تأثيراتٍ وتداعيات خطيرة بمعظمها، ويتّخذ أبعاداً أخلاقية، مهنيّة، سياسيّة، أمنيّة، إقتصاديّة، ويشكّل عاملاً أساسيّاً في الصّراعات والأزمات السّياسيّة.

وعليه، ليس المال وحده هو الّذي يحرّك وسائل الإعلام فحسب، بل هي قوى تتنافس في ما بينها ساعيةً للسّيطرة على هذه الوسائل بهدف استخدامها كمنصّةٍ لإيصال وجهة نظرها للرّأي العام أو صناعة هذا الرّأي، حيث يتلقّى الجمهور في غالبيّة الأحيان سلسلة من الومضات مختارة بعنايةٍ واحتراف، مستندة إلى أبعادٍ نفسيّة وتأثيراتٍ عميقة في اللّاوعي الإنساني، لكنّ النّتيجة في النّهاية لا شيء سوى تشويه الواقع، فبركته، وتقديمه للرّأي العام كحقيقة مضلِّلة بالتّناغم والتّناسق مع مصالح القوى السّياسيّة والاقتصاديّة في المجتمع.

إنّ وسائل الإعلام تستخدم حرّيّة التّعبير الّتي هي حقّ إنساني وميزة ديمقراطيّة لتعيقَ الدّيمقراطيّة لا لتخدمَها؛ فقد أصبح الواقع يتلخّص في ما تنقله وسائل الإعلام المرئيّة والمكتوبة والمسموعة، وتناقشه وفق ما يراه الصّحافيون ومحترفو صناعة الرّأي العام صالحاً ومؤهَّلاً لأن يُنقَل إلى عيون ومسامع القرّاء، وتحدّد للجمهور ماذا يقرأ ويسمع ويشاهد، وكيف ينظر ويحلّل.. "وما تفكّر، نحن منفكّر عنّك"!

هذا وقد فشلت مواقع التّواصل الاجتماعي وخاصّةً "فايسبوك" في وقف فيض المقالات الإخبارية الكاذبة المُستخدَمة في تشكيل الوعي الاجتماعي، خاصّةً أنّ عمليّة إنتاج الأخبار الكاذبة ليست صناعة اتّصاليّة مؤسّسيّة ترتبط فقط بكيانات سياسيّة أو جهات أمنيّة أو مؤسّسات فكريّة وبعض شركات تحليل البيانات والاستشارات السّياسيّة والعلاقات العامّة، وإنّما يوجد أيضاً أفراد قائمون بالفبركة ليس لهم أحياناً أي انتماء سياسي، وقد تكون دوافع الاتّصال التّزييفي أحياناً لدعم مواقف اجتماعيّة ونفسيّة وعنصريّة لصالح منظّمات عالميّة... ناهيكَ عن الحسابات الوهميّة والجيوش الإلكترونيّة وخطاب الكراهيّة، وإخراج الصّورة المؤثّرة وعمليّة التّلقين وتحوير الحقائق لخلق البلبلة وتحويل المفاهيم على هوى القوى الدّاعمة، ولا نستخفّنّ بالقوى الدّاعمة الماسونيّة الانتماء والتّوجّه، خاصّةً بعض البرامج الحواريّة، ولا بالمحتوى المنقول إلينا أو المَسار المرسوم لنا.

يا سادة، لقد ميّزَنا الخالق بعقلٍ باحث باستمرارٍ عن الحقيقة، فلنستخدمه كما يجب. لنبحث عن الحقيقة قبل أن نتبنّى كلّ ما نتلقّاه، ولنغلّب الوعي على اللّاوعي.

تخافون الحرب وأنتم في خضمّها. هذه هي الحرب اليوم ونحن القتلى. لنكن أحراراً بكلّ بساطة، لنرسم مسارنا بأنفسنا ونسلكه بإرادتنا وفق ما تقتضيه كرامتنا الإنسانيّة والوطنيّة. يكفينا سلبيّة في التّعامل مع مشكلات مجتمعنا، فلنتكاتف لننقذ أنفسنا ووطننا من زَيف الكلمات، لأنّ الحرف يقتل، وأمّا الرّوح فيُحيي.