الخميس - 11 آب 2022
بيروت 31 °

إعلان

صليبنا طوّل يا شربل

المصدر: "النهار"
رولان خاطر
القديس شربل.
القديس شربل.
A+ A-
علّك تسمعنا يا شربل...
 
هي ستٌ. ستُ مرّات مرّ فيها الخريف، وستُ مرّات مرّ فيها الشتاء؛ كذلك الرّبيع والصيف. هي ستّ سنوات كانت الأقسى؛ كانت الأشدّ صقيعاً، وكانت الأظلم. في هذه "الست"، غفل عنّا الحُلُم مراراً وكذلك الأمل؛ غدرنا الإيمانُ رحيلاً، وبلّلَنا رملُ الرّجاء.
 
هي ستٌ، لم نعتدها؛ لم نحسبها جيّداً؛ لم نكن حتى ننتظرها. تحوّلنا من جذورٍ إلى أغصانٍ لَوَت، ومنها ما تكسّر؛ ومنّا مَن تحوّل إلى روايةِ سفر، أو إلى غبارٍ نُثر على تراب الوطن؛ ومنّا مَن طوى البطولة في ذاك الجرد، ومنّا من دفن القضية بين جدران ذلك الكهف الرهبانيّ المنحدر على ضفاف العاصي، ومنّا إلى أبعد من ذلك بكثير.
 
هي ستٌ بدأنا نتحدّث فيها عن لبنانِنا ولبنانهم، نحن وَهُمُ؛ نحن الذين ولّينا حكّاماً على صورتنا ومثالنا؛ نحن مَن أفشلنا آمالاً لتغيير كلِّ غدٍ آت. نحن شعب استثنائيّ في التفكّر والتصوّف والفلسفة. نحن شعب يصلّي نهاراً على جدران المحبسة في عنايا، ويطلق "رَسَن" عواطفه ليلاً بين أزقة المواخير، ويفجّر خطاياه في فراش امرأة جميلة.
 
نحن شعبٌ لا يأبى الموت طبيعياً، بل يموت بأوبئة السلطة، فإمّا تفجيراً، وإمّا في عبّارة، أو تخاذلاً، فيما هُمُ، أي حكّامه، يحوّلون قصور الجمهورية إلى قبور، وأحكام العدالة إلى أكياس رمل، والطوائف إلى متاريس لتطويب سطوتهم، ويدنّسون قدسيّة الأعراف والثوابت، ويضعوننا في عزلة وإفلاس وعقوبات، إمّا من أجل مشروع عقائديّ بالٍ، أو من أجل نَهَمِ سلطويّ لا حدود له، فتحوّلَ الوطنُ من مساحةِ كرامة وطمأنينة إلى قاتِلٍ، يخطف وجودنا وكياننا.
 
 
كلٌّ منّا أدرك ان المستقبل صار لعبة ضائعة، والحاضر بات أوراقاً تسقط من روزنامة الوقت ليس إلا، أمّا الماضي فلا حقّ لنا في أن نحكم على حكاياته، لأنّه رغم الأخطاء الكثيرة فيه حكايات جميلة، لعلّ أكثرها جللاً حكاية الشهداء الأيقونات الذين انتفضوا على الذميّة والذلّ؛ وفيه من الرّجال الرّجال ومِن الرؤساء القادة، الذين نعشق، والذين أعطوا للأطفال والشيوخ والشباب الأمل والنبض، فيما اليوم نمشي كأجساد بلا روح، نبرّر للخضوع ونفتح للذميّة باباً وللذلّ أبواباً.
أصبحنا "شحّادين" نشحذ الفرح والمستقبل والحياة ممّن عرفنا يوماً أنهم امتهنوا سَلْب المستقبل، وخطف الحياة ليحيوا، لا بل ممّن أحرقوا الوطن وحوّلوه إلى "جهنم" كي يحيوا... هم بالفعل شياطين، ونحن بالفعل متخاذلون...
 
يا شربل، محزن أنّنا نعيش في الانتظار؛ انتظارُ الغد، انتظار الأمل، انتظار الفرج، انتظار الفُرص، انتظار من يفكّ قيود الروح والحركة. ننتظر كلّ شيء ليأتي سهلاً وسلساً. في وقت نحن بحاجة إلى العمل المضني والمقاوِم، فكريّاً وروحيّاً ونضاليّاً، ترانا مقيّدين لدى جوائح المرض والانهزاميّة والاستسلام والتسليم بما يُعطى لنا، ويُملى علينا من سياسات وثقافات وأسلوب عيش على كلّ المستويات، فيما الانتفاضة لكي تنجح تبدأ من الذات على الذات قبل الآخرين، وإلا فإننا في القعر إلى أبد الآبدين.
 
لوهلةٍ، يظنّ مَن يقرأ واقع لبنان وتاريخه كأنّ هذا البلد لا يشبع دماً ولا ضحايا، ثمّ إذا تأمّلنا بعمق نرى كم هو مجروح ومسكين ومتعب، وخائب من شعب هرَب من نُصرته، وحكّام "نسي الله أن ينفخ فيهم من روحه"...
 
وكي يأتي الشفاء من السماء، وفي ظلمة هذه الأجواء الملبّدة بكآبة علنية، وأحياناً خرساء؛ وكيلا نبقى أجنحة متكسّرة في جمهورية عرجاء، لا بدّ من النظر صوب السماء عبر قديس ملأ إيماناً وشفاءً الأرجاء.
 
هو شربل الذي تجمعنا به حكاية عشق عميق مقدّس حتى نهاية الدهر، وتربطنا به حكاية ديانة اسمها لبنان.
 
نسأله عشية عيده، ما بك؟ ما بك جالس فوق، على تخوم بيت الله، تسمع تأوّهاتنا، ولا تُجيبنا؟
 
ما بك، وأنت طبيب السماء؟ أدواءُ الأرض انهزمت على خطوط يديك، فيما أمراض الحكّام تفتك بلبنان، وأنت صامت!
 
ما بك، ولبنان ينهار إلى قعر جهنم، وأنت ساكت؟
 
تنتظر منّا دمعةَ توبة؟! من قال إنّنا لا نريدها؟ لكنّها صعبة.
 
تريد من الإنسان أن يحبّ أخيه الإنسان؟! صعب.
 
تريد من الإنسان أن يدرك أن عدالة السماء "بتجي ع غفلة"؟! صعب.
 
تريد أن نصحو صباحاً و"نرندح" المسبحة نغمة صلاة في بداية يومنا؟! صعب.
 
تريد أن نتواضع، ونحوّل بيوتنا مغارة دفء ليسوع، فنعيش من نوره، ومن خبز جسده، وخمر كأسه؟! صعب.
 
صعبٌ، لأن أزمتنا إنسانيّة وأخلاقيّة قبل أيّ شيء آخر. لا تفرّق بين حاكم ومواطن، فالاثنان في سلّة واحدة، فيما قلّة قليلة تُدرك أنّ كلّ خلاص، أكان خلاص وطن أو خلاص شعب لا يكون إلا بسلوك درب السماء.
 
أنت تقول إن "الصليب هو مفتاح باب السماء". لكن ألم يطل صليبنا يا شربل؟ إلى متى؟
 
ادعنا كي نحقق ذاتنا معك بالمحبّة! ادعنا كي نركع ونحرق شموعنا على أبواب بيتك فوق في عنايا.
 
عشية عيدك، ادعنا وسنلبّي الدعوة.
 
لا نريد زيتاً من سراج ماء، ولا تذوّق عناقيد كرمتك، ولا ارتشاف قليل من ترابك، ولا استنشاق عطر من بخورك؛ و"مخدّة الحطب" لن نسرق صورها.
يكفينا أن نتكئ على حيطان تلك المحبسة، لتعود ضحكتنا، فيكفينا أن نعرف أن يديك كحّلتها ليتّقد إيماننا. يكفينا أن تقبلنا كما نحن لتصل كلماتُنا إلى السماء؛ لنصرخ بصوت واحد: "فيك السما إلها ثقة والناس والرهبان، عملّك شي أعجوبة بقا وخلّص شعب لبنان"...
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم