الثلاثاء - 26 تشرين الأول 2021
بيروت 21 °

إعلان

في مهبّ الريح

المصدر: النهار - جومانا مخايل الرعيدي
ما زال لبنان في مهبّ الريح
ما زال لبنان في مهبّ الريح
A+ A-
كما تتناثر أوراق الخريف الصفراء عند كلّ هبة ريحٍ، هكذا يتناثر ما تبقّى من اصفرارِ خريف لبنان. فالرياح الإقليمية تعصف، ولبنان المنهك القوي يتناثر، والرياح الإقليميّة تشّتد، ولبنان يتنفّس أنفاسه الأخيرة. لكم صعبٌ علينا رؤية بيروت غارقةً في عتمةٍ مظلمة، لا محالّ تجارية، لا أسواق، لا معارض، لا حياة، بينما عواصم دول أخرى تتلألأ مشرقةً بفرح، بعد أن كان زعماؤها يتمنّون رؤية عاصمتهم كعاصمة لبنان.
فها دولة الإمارات الّتي خطفت أبصار العالم قبل أشهرٍ عندما حلّقت في الفضاء الخارجي، تخطف اليوم قلوب العالم بـ إكسبو 2020، التحّفة الّتي ستُحفَر في ذاكرة التاريخ بحروفٍ من العلم والتحدِّي والإيمان بوطنٍ، يُحلّق قادته به عالميّاً، ويرفعونه من انتصارٍ إلى انتصار.
لكم مؤسف أن نكون قد سلّمنا لبنان بأنفسنا لأناسٍ غدروا به وبنا، أناسٍ لا يأبهون إلّا لمصالحهم، لا كرامة ولا شرف، يشحذون ويسرقون ما يشحذونهُ من دون ضمير؛ ففي هذا البلد وزراء لا حكومة، نواب لا مجلس نيابي، مؤسّسات من دون مساءلة، سياسيّون من دون حياة سياسيّة شفافة، قضاة لا سلطة قضائيّة مستقلّة.
نعم، لبنان الآن في مهبّ الريح. شكلّت حكومة، وِنعمَ التشكيل!!! بأيّ قرار؟؟ وبتدخّل أيّ دولةٍ؟؟ أيّ توافق إقليمي أوجدها؟؟ لا نعلم!!!
المهم أن الحكومة تشكّلت، وبدأت بمواجهة التحدّيات والمشكلات، فهناك ألغام عديدة تعترض طريقها، وهل ستكون قادرة على تجاوزها لحلّ الأزمات؟
أولى المشكلات الّتي ستواجهها هي مشكلة التفاوض مع صندوق النقد الدولي، فـ"أوّل دخولو شمعة ع طولو". بدأ الخلاف بين الرئيسين حول مسألة تشكيل الوفد، فضلاً عن المشكلة الأهمّ وهي أن الحكومة تضع أوّلاً خطةً واضحةً وشاملة، ويتمّ الاتفاق على أرقامها وبنودها مسبقاً من قبل الأطراف الثلاثة المعنيّة بتحمّل الخسائر، وهي الدولة والمصارف ومصرف لبنان.
وعلى الحكومة أن تحرص على أن يكون هناك توافق سياسيّ على تنفيذ كامل الشروط والبنود الإصلاحيّة المطلوبة من قبل صندوق النقد الدولي قبل تحرير أيّ مبلغ ماليّ خصوصاً أن بعض الشروط ستكون صعبة، ولن تتناسب وأجندة الأحزاب الممثلة في الحكومة.
وهنا السؤال، هل باستطاعتها أن تنجز الإصلاحات المرجوّة من الهدر والتهريب وإقفال المعابر غير الشرعيّة ومسألة الكهرباء...؟
والمشكلة الثانية الّتي تواجهها الحكومة مسألة ترسيم الحدود البحرية، خاصةً أن إسرائيل مصرّة على عمليّات التنقيب في مناطق يعتبرها لبنان مناطق متنازع عليها، مستغلّةً بذلك النزاعات اللبنانية الداخليّة، فتبدو الدولة اللبنانية ضائعة في مهبّ الريح في مسألة توقيع المرسوم.
وبعد ذلك تأتي مشكلة الكهرباء، والمازوت والبنزين، والأهمّ الأهمّ مشكلة الاستشفاء، إذ لا يجوز أن يكون معاش موظّف الدولة مليوني ليرة وسعر علبة دواء مضادّ للالتهابات 150 ألف ليرة، ودواء الـpanadol 25 ألفاً؛ يعني أنّه ممنوع التعرّض للأنفلونزا أو أن يوجعنا ضرسنا لأنّو منتسمّم من الالتهابات إذا ما معنا حق الدواء!
عفواً، ما في دواء مهمّ ودواء لا! يجب مراجعة البحث من قبل الحكومة خاصةً في هذه المسألة بخصوص إمكانية إعادة دعم الأدوية، إذ "فينا ناكل خبزة وزعتر بس ما فينا بلا دواء". ويجب التحرّك سريعاً لحلّ مشكلة الاستشفاء، فالمستشفيات تُجبر المريض على دفع فرق سعر الصرف، والطبيب لا يقبل إلّا بأن يقبض أتعابه مع فرق سعر الصرف. لذا، يبدو من البديهيّ قبل البحث في لقمة العيش حتّى أن تبادر الحكومة إلى إيجاد حلّ جذريّ لهذا الموضوع.
لكن المشكلات الأخرى الّتي قد تواجهها الحكومة هي مسألة الانتخابات المرتقبة في آذار؛ فكلّ الدول تعوّل على هذه الانتخابات لعلّها تقودنا إلى تغيير جذريّ على المستوى الإقليمي أيضاً. فالمشكلات الداخلية بشأن الانتخابات بدأت، إن من حيث العراقيل المتعلّقة بحقّ المغتربين في الانتخابات، أو من حيث مسألة تخفيض سنّ الاقتراع.... وكلّها مشكلات قد تكون معرّضة للانفجار بين لحظةٍ وأخرى، فتعيق الانتخابات بحسب ميول الأحزاب الّتي هي حقاً في وضعٍ خطر لإمكانية استعادة مكانتها في هذه المرحلة.
فضلاً عن كلّ ذلك، فالرئيس ميقاتي مُني بصدمةٍ خليجية كبرى، خاصةً بعدما حاول الرئيس الفرنسي فتح طريق لبنان إلى الخليج، خاصةً السعودية. ولكن ـ للأسف ـ السعودي غير مستعدّ لتمويل وتعويم زعماء عاثوا فساداً في بلادهم، والشروط السعودية لا تنفصل عن الشروط الدوليّة الّتي صدرت في بيان مجلس الأمن، خاصةً أنّه ذكر القرارات الدولية كلّها، خصوصاً القرارين 1701 و1559.
لذا السؤال: هل ستتمكّن الحكومة من حلّ كلّ هذه الملفات الشائكة للسير في الطريق المستقيم؟ هل سيتمكّن الرئيس ميقاتي من إنهاء ملف ترسيم الحدود البحرية لعلّه بذلك يحظى بمبادرة أميركية قد تفتح له باب الخليج بعدما فشل الفرنسي؟
إذاً، أين نحن من الوضع الأميركي - الفرنسي؟ الأميركي - الإيراني؟ السوري – الروسي - الإيراني؟؟ الفرنسي - الإيراني؟؟؟
كلّها مسائل إقليمية قد تطيح بنا نحو المجهول فتجعلنا ورقةً هشّة تتراوح مع اشّتداد الرياح والخلافات الإقليمية، أو قد تقودنا إلى الإنقاذ إذا أراد الله أن يضع يده لمساعدتنا.
لذا، ما زال لبنان في مهبّ الريح








الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم