السبت - 22 كانون الثاني 2022
بيروت 13 °

إعلان

الموجة الحديثة

المصدر: النهار - د. إيلي شديد
لقد مرّت الهجرة اللبنانيّة بمراحل زمنيّة متفاوتة
لقد مرّت الهجرة اللبنانيّة بمراحل زمنيّة متفاوتة
A+ A-
لقد مرّت الهجرة اللبنانيّة بمراحل زمنيّة متفاوتة، ويُمكن في هذا السياق العام التمييزُ بين عاملين رئيسيين، وهما: عامل التهجير القسريّ، حين ترافقت موجات الهجرة الكبرى مع اندلاع الحروب وتصاعد حدّة النزاعات الداخليّة في لبنان، ثُمَّ عامل المغادرة للعمل وتحصيل الرزق، حين ارتبطت هجرة القوى العاملة بالضيق الاقتصادي. ويُمكن اعتبارُ لبنانَ أول دولة في العالم يتفوّق فيه عدد المهاجرين بالنسبة إلى عدد سكّانه، إذ بلغ عدد المهاجرين حول العالم نحوَ 10 ملايين نسمة، مقابل 5.5 ملايين أخرى هي عدد السكّان المقيمين على الجغرافيا اللبنانية.
واليوم، مع تأزّم الوضع السياسيّ في البلاد، ووصوله إلى طريق شبه مسدودة، فإنّ التوقّعات تُشير إلى موجة هجرة جديدة مع إعلان العديد من المؤسّسات اعتزامها وقف أعمالها، أو تسريح عمّالها، أو على الأقلّ خفض رواتبهم.
وحتى قبل اندلاع هذه الأزمة، عانت البلاد من هجرة واسعة النطاق، أدّت إلى تخفيض عدد اللبنانيين المقيمين في البلاد خلال الفترة الماضية، والآن يتوقع أن تتسبّب الأزمة بتفاقم موجات الهجرة.
وقد شهد لبنان موجات من الهجرة عبر تاريخه المعاصر، يُمكننا تقسيمها إلى مراحل عدّة:
- فترة المتصرّفية، أي في منتصف القرن التاسع عشر، وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى.
- فترة الانتداب الفرنسي على لبنان ما بين الحربين العالميّتين، وما رافقها من حصار اقتصاديّ وتدهور في الأوضاع المعيشية للسكان.
- فترة الاستقلال (1943-1975)، التي تزامنت مع الفورة النفطية في دول الخليج العربي وما رافقها من مداخيل مغرية للعمّال.
- فترة الحرب اللبنانية (1975-1990) التي أدّت إلى تدمير كبير للاقتصاد الوطني والبنى التحتية في لبنان.
- الفترة المعاصرة (1990- 2010) التي تزامنت مع محاولات إعادة الإعمار والسياسات المالية الخاطئة، التي كانت تعتمد على الاستدانة من الخارج لتمويل المشاريع المتوقع تنفيذها، والتي كانت مدمّرة للاقتصاد.
- الفترة الحالية (2019-……): وهي الفترة التي شهد فيها لبنان تدهوراً حاداً في عملته الوطنية، فوصلت إلى أرقام قياسية، لم يسبق لها مثيل، ممّا انعكس بشكل سلبي على الأجور وأسعار السّلع والخدمات.
وفي آخر إحصاء لـ"الدولية للمعلومات"، ظهر أن عدد اللبنانيين المهاجرين والمسافرين منذ بداية العام وحتى منتصف شهر نوفمبر 2021، وصل إلى 77.777 فرداً مقارنة بـ17.721 فرداً في العام 2020. وتبين أيضاً أن عدد اللبنانيين الذين هاجروا وسافروا من لبنان خلال الأعوام 2018- 2021 قد وصل إلى 195.433 مواطناً.
وفي ظلّ غياب أيّ معلومات وأرقام دقيقة من قبل المديرية العامة للأمن العام عن أعداد اللبنانيين المهاجرين إلى بلاد العالم، ثمّة اعتقاد سائد بأن عددهم يبلغ نحوَ 15 مليوناً في حين أن المقيمين في لبنان من اللبنانيين لا يزيد عددهم عن 6 ملايين.
وتتجلّى الآثار الاجتماعية للهجرة بعدّة نتائج، منها: انخفاض عدد السكان المقيمين، وينجم عن هذه الحركة السكانيّة اختلال التوازن القائم في أعداد الذكور والإناث، والّذي نشأ نتيجة هجرة الذكور المتزايدة، خاصة ممّن تتراوح أعمارهم بين25 و35 عاماً، ممّا أدّى إلى بروز فجوة عميقة في وسط الهرم السكانيّ. وهذا التوزيع له تفاعلات اجتماعية تنعكس على مستوى الخصوبة وتأخّر الزواج، وعلى جميع نواحي الحياة العائليّة والتربويّة والإنمائيّة، فضلاً عن انقطاع العلاقة مع الوطن الأم.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أسهمت الهجرة إلى حدّ كبير في ازدهار التجارة والخدمات في لبنان. وهكذا استخدمت أموال الهجرة في التجارة داخل لبنان وخارجه. وخلال سنوات تمَّ بناء شبكة من العلاقات المكانيّة بين لبنان ومحيطه والخارج، حيث نشأ وتكوّن المجال الجغرافيّ للهجرة اللبنانيّة.
فالهجرة اللبنانيّة ساعدت على إنماء التجارة والخدمات، إذ تمَّ التحول عن الأرض والزراعة والإنتاج إلى التجارة والاستهلاك والهجرة، وتزايد النزوح من القرية إلى المدينة، ثُمَّ الهجرة من القرية والمدينة إلى الخارج، في وقت جرى التحوّل تدريجياً عن تصدير الحمضيات والتفاح والخضراوات إلى تصدير الأدمغة والكفاءات والعمال المهرة.
ولعلَّ من أهمّ الآثار الاقتصادية الإيجابية للهجرة اللبنانيّة التحويلات الماليّة التي يرسلها المغتربون إلى ذويهم، وهي تتكون بأغلبيّتها من تحويلات اللبنانيين العاملين في الخليج، والتي أصبحت المورد الأساسي لقيمة النقد، وللاقتصاد اللبنانيّ.
ويعتبر لبنان، بالرغم من قلّة عدد سكانه من الدول الرئيسة المصدّرة للكفاءات. وإن هذا الموضوع يشكل اليوم مصدر القلق الرئيس بالنسبة إلى الدول المعرّضة لهجرة العقول. ويُعتبر لبنان نموذجاً للدول التي تتعرّض لخسارة الكفاءات والقوى البشريّة فيها. ويُستدلّ من بعض التقديرات على أنّه يوجد بين اللبنانيين المهاجرين في الخارج أطباء، ومهندسون، ومحامون، وأساتذة جامعات، وسياسيون، وهم يقدّرون بعشرات الآلاف.
لقد أحدثت الهجرة الدوليّة في لبنان تفاعلات اجتماعيّة واقتصاديّة متنوّعة، أدّت في بعض الأحيان إلى سلبيّات، وما زال في الإمكان مواجهة المتغيّرات للاستفادة منها وتحويلها إلى إيجابيات فاعلة؛ والخطة الأولى في مواجهة هذه الوقائع تكون في فتح الأبواب للاستفادة من الهجرة العائدة بكافة أشكالها. فالتغيرات الاجتماعية الحاصلة يجب أن تُفهم على حقيقتها كنتيجة حتميّة لعودة المهاجرين بعد سنوات الإقامة في الخارج، والنجاح الأساسيّ يكمن في محاولة استيعاب الثروات التي جمعت بعرق الجبين في بلاد الاغتراب للعمل في مجالات استثمار مجدية، وبالأخص في القطاعات الصناعيّة والزراعيّة المنتجة، ثُمَّ توفير مجالات العمل للمهاجرين العائدين، ممّا يسهّل اندماجهم ببيئتهم ومجتمعهم، وذلك من خلال إيجاد فرص عمل جديدة والقيام بمشاريع إنمائيّة.
والحقيقة التي يجب التسليم بها أنّ لبنان بعد استنزاف موارده البشريّة النادرة قد انحدر بعيدا ًإلى مستوى البلدان المتخلفة، حيث يتجلّى ذلك بانخفاض الدخل الفردي، وتفكّك البنيّة التحتيّة، وتخريب التجهيزات الأساسيّة، والشلل الّذي أصاب الإدارات والمؤسسات الحكوميّة، ثم فساد النظام وانتشار الفوضى في التعامل بين المواطنين، ممّا شجّع الهجرة كمخرج لتفادي الانهيار وتأمين المستقبل.
ولبنان بفضل ما تبقّى من موارده البشريّة، وبالرغم من الأوضاع المترديّة، التي أدّت إلى هجرة أبنائه، ما يزال قادراً على استعادة الكثير من قدراته وحيويته وتحقيق معدّلات نمو مقبولة، إذا ما تحقق اتفاق اللبنانيين في ما بينهم على ثوابت اجتماعية، اقتصادية، وسياسيّة تكفل بناء المجتمع وتأمين السيادة، بما يكفل استرجاع ما يكفي من العناصر الشّابة والمتعلمة.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم