الأربعاء - 21 نيسان 2021
بيروت 20 °

إعلان

مصيدة

المصدر: النهار - نور الهدى شعبان
تتجرّد الأرض من كلّ الأقنعة وتتهيأ لقدّاسها بعناق السماء والمطر يشهد فصلاً خامساً من الأمل.
تتجرّد الأرض من كلّ الأقنعة وتتهيأ لقدّاسها بعناق السماء والمطر يشهد فصلاً خامساً من الأمل.
A+ A-
تتجرّد الأرض من كلّ الأقنعة وتتهيأ لقدّاسها بعناق السماء والمطر يشهد فصلاً خامساً من الأمل.
ما كان ذاك الوشاح إلّا عبثاً اعتادته أكفّ البشر فلوثت الصفحات البيضاء في قلوبهم واتشحت المدينة بالضباب.
كان ينهض الصباح مستعجلاً يسابق صياح الديك، فما عادت الرؤوس التي اغتالها تعب العمر تنال قسطها من الهناء لتصحو على مؤشر الحياة الذي ينخفض بتسارع، ويدور حول ساعة باتت تلاحق الأجساد المتهالكة في ضجيج الحاجة وتلسعها بلا رحمة، إلى أن تسقط في سكرة الليل في غياهب القلق من صحوةٍ فجراً تشابهت فيها آلام المارّة...
ماريتا واحدة من نساء القرية، كان جمالها يسقط أثقالاً لم تكن تعلم وزرها حين وقعت في غرام الرجل المهيب والجميل، الذي جاء في تاريخ ملعون يجرّ خلفه قلادة اشتدّت على عنقه من زوجة أولى.
ماريتا التي أغدقها شباب القرية حباً وشغفاً لم تكن تأبه بهم، فقد كانت تلوّن سقف أحلامها بفرشاة الأمل بتغير الواقع ونفض المرارة عن كاهل أهلها، وترسم نافذة مشرعة أحلامها صوب المدينة البيضاء كما كانت تظنّها.
وحين جاءت فرصتها ركبت صهوة أحلامها وراحت تشقّ طريقها إلى المجهول وهي تحاول أن تنقذ أهلها من وطأة الفقر والعوز.
ما إن دخلت المدينة التي خلعت زيّها الأبيض وبدأت تتلقفها عيون الغربان، حتى وقعت فريسة حبّ شرعه متسكع ذو هيبة قلدّها كلّ أوسمته الزائفة، حتى خالفت قناعاتها بالزواج تحت اسم الضرّة في مجتمع تعيث فيه ألقاب مشوّهة في حق النساء باختلاف الأسباب. تلك النافذة التي رسمتها أغلقت وباتت ماريتا الجميلة حبيسة رغبات ونزوات رجل معتوه، كلما أغضبته زوجته الأولى صبّ جماح جنونه في قلب ماريتا، الذي يهواه ويخشى فقده وخاصة بعد إنجابها ثلاثة أطفال.
ازدادت أثقالها وباتت تغفو على الوسادة التي سقطت منها كلّ الأحلام فباتت فارغة إلّا من القلق.
في تاريخ دارت به دوائر الخذلان استيقظت ماريتا فزعة. ذاك الجدار الذي استندت إليه أحلامها ما كان إلّا ذئباً عطشاً جائعاً ارتوى وأشبع مكائده ورحل .
بين سكون الحرائق وثلج الدقائق وارتداد الروح وثلاثة أشلاء ربطت قلب ماريتا بخيط حياة أو خيط نجاة أو ربما خيط انكسار... حشرجت أنفاسها عبثت بأعماقها مكائد المدينة والطريق الذي ما وطِئته حتى وقعت في شراك المصيدة...
تكالبت عليها مرارة العيش ولكنها لم تنحنِ، كفكفت قلبها المفطور على الألم والخذلان وبدأت تنثر بذارها لبتلات الزهور الثلاث وتتساءل مَن الذي قال فاقد الشيء لا يعطيه؟
ومن الذي منح الرجل أوسمة الذكورة أربعاً وشرّعها
ومنح المرأة شهادات شتّى بمشانق ملوّنة
وما ذنب العصافير من حرائق المدينة؟



حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم