الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 26 °

لبنان أمام سيناريوي التأليف أو "لا تأليف": تعبيد طريق الاستقرار أو "الصوملة" والانتحار الجماعي!

المصدر: النهار
سلوى بعلبكي
سلوى بعلبكي
Bookmark
القلق من المجول ("النهار").
القلق من المجول ("النهار").
A+ A-
"ما تقول فول حتى يصير بالمكيول" عبارة اختصرت واقع تأليف الحكومات في لبنان وكانت لسان حال السياسيين والمراقبين على حد سواء. هذه العبارة تتجدد اليوم مع المبادرة الفرنسية التي كادت ان تنجح في اللحظات الاخيرة في اخراج الحكومة العتيدة من عنق الزجاجة، ولكنها عادت الى نقطة الصفر مع فترة سماح 24 ساعة أعطاها الجانب الفرنسي للمسؤولين اللبنانيين للتشكيل.  الامل الذي ساد منذ زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الاخيرة وما تسرب من شروط وتهديدات وتبليغ حاسم للسلطة والطبقة السياسية بضرورة السير بالورقة الفرنسية التي وافق عليها الاطراف جميعا، تبدد فجاة وانقلب المهللون والموافقون على كلامهم وعادت "حليمة" السلطة الى عادتها القديمة في التحاصص والاستئثار والتخصيص، وسادت من جديد موجة يأس من القدرة على معالجة العضال السياسي اللبناني. ولكن يبقى الامل وإن "ذليلا" أن ينجح ضابط المخابرات الفرنسي في اعادة ترميم المبادرة الفرنسية وعقلنة وكبح جماح السياسيين وجرهم الى بيت الطاعة، وهم اعتادوا الانصياع الى العصا الغليظة كلما أتت من غريب. 
لا شك في أن لبنان على مفترق طرق مصيري يضعه أمام سيناريوين لا ثالث لهما، خصوصا في أعقاب زيارة الرئيس ماكرون الأخيرة وما حملته من مبادرة إنقاذية تشكل بأبعادها خريطة طريق مفصلية قد ترسم معالم مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المدى المتوسط في حال ترجمت فعلياً على الأرض. والسؤال هل نحن أمام تسوية سياسية جدية تضعنا أمام استقرار سياسي وأمني يؤسس لتشكيل حكومة جديدة تحاكي متطلبات الناس وتكون قادرة على مواكبة التحديات الجمة وعلى إطلاق عجلة الاصلاحات الهيكلية المنشودة ضمن برنامج ينخرط فيه صندوق النقد الدولي لاستقطاب المساعدات المالية؟ أم نحن أمام تضييع فرصة ذهبية وأخيرة من الاهتمام الدولي تجاه لبنان وتاليا الغرق في وحول "النكايات" السياسية حول حقيبة وزارية مخملية من هنا أو موقع إداري في دولة مشلولة من هناك، للانقضاض على ما تبقى من أشلاء وطن أنهكته النزاعات الطائفية والمذهبية التي لم تقدم له سوى أطباق من الفساد والمحاصصة والتجويع والإذلال والحروب والويلات والتي تؤسس لفوضى خلاقة مدمرة؟.
في تفاصيل السيناريو الأول أي السيناريو التفاؤلي، يشير الخبير الاقتصادي الدكتور فادي علي قانصو أنه "رهن تسوية سياسية تعبد الطريق أمام الاستقرار السياسي والأمني في لبنان، مع ضرورة تشكيل حكومة فاعلة ومنتجة تواكب عملية إطلاق برنامج إنقاذ شامل بالتعاون مع صندوق النقد الدولي من أجل إعطاء صدقية للمساعي الإصلاحية المطروحة وتعزيز القدرة على استقطاب المساعدات المرجوة من الخارج، في محاولة من الدولة للحصول على ما بين 5 إلى 10 أضعاف حصة لبنان في صندوق النقد الدولي والمقدرة بنحو 880 مليون دولار، وهو ما يعول عليه أيضا لتحرير جزء من مساعدات مؤتمر "سيدر" والتي تصل في الإجمال إلى نحو 11 مليار دولار، ناهيك عن المساعدات من قبل الدول المانحة الأخرى". وتاليا يعتبر قانصو ان "ضخ ما يوازي 20 إلى 25 مليار دولار خلال السنوات الخمسة المقبلة كفيل بإحداث صدمة إيجابية تُعيد ضخ الدم من جديد في شرايين الاقتصاد الوطني إذا صدقت نوايا الإصلاح"، وهذا من شأنه في رأيه أن "يؤمن الاستقرار الاقتصادي المنشود والقادر على إخراج لبنان من فخ الركود التضخمي في فترة لا تتجاوز العامين، وذلك بالتوازي مع استقرار مالي ونقدي من شأنه أن يوحد أسعار الصرف عند مستويات تعكس القيمة الحقيقية لليرة مقابل الدولار والتي لا تتجاوز عتبة الـ 5 آلاف ليرة لبنانية للدولار الواحد كحد أقصى".
السيناريو الثاني أي التشاؤمي، ينطوي على فشل التسوية السياسية التي يحملها الرئيس ماكرون في جعبته وتاليا الدخول في فراغ حكومي أقله إلى ما بعد الانتخابات الأميركية في شهر تشرين الثاني المقبل. هذا السيناريو وفق ما يقول قانصو هو "بمثابة انتحار جماعي لا سيما في ظل ما طرح أخيرا عن إمكان رفع الدعم عن المواد الأساسية (المحروقات والأدوية والقمح) من مصرف لبنان بعد ثلاثة أشهر كحدّ أقصى، نظرا للاستنزاف التدريجي والمتواصل منذ عام في الاحتياطيات السائلة من النقد الأجنبي لدى المصرف المركزي والتي تقدّر بنحو 19.5 مليار دولار من ضمنها الاحتياطي الإلزامي المقدّر بنحو 17.5 مليار دولار. وعليه، فإن ما تبقى من قدرة على المناورة وعلى تمويل احتياجات لبنان (المقدّرة بنحو 700  مليون دولار شهرياً) لا يتجاوز المليارين دولار، ما يعني بأننا قد نصل إلى عتبة الاحتياطي الإلزامي قبل نهاية شهر تشرين الثاني المقبل. وبمجرّد الوصول إلى هذا المستوى من الاحتياطيات السائلة قد يلجأ المصرف المركزي إلى ترشيد أو حتى وقف دعمه للسلع الأساسية". أمام ما تقدم تبدو الآفاق بما يخص سعر صرف الليرة مقابل الدولار سوداوية جدا، وهو ما يعني وفق قانصو "إقلاع صاروخي وانفلات جنوني في سعر الصرف في السوق السوداء إلى مستويات غير مسبوقة، لا سيّما في ظل توجه مرتقب لتجار المشتقات النفطية والأدوية إلى السوق السوداء للحصول على الدولار بعيد رفع الدعم المحتمل، ناهيك عن التداعيات الملحوظة لهذه الخطوة على معدلات تضخّم الأسعار، خصوصا أسعار السلع المدعومة وما يتفرّع عنها والتي قد تشهد تضخماً ملحوظاً في أسعارها في حال أُلحقت بالسوق السوداء، وبالتالي المزيد من التآكل في القدرة الشرائية للمواطنين". من هنا، يرى قانصو ان "هذا السيناريو قد يترافق مع اضطرابات اجتماعية قد تدفع إلى ارتفاع معدلات الجريمة والنشل والسرقة وتاليا أخذ البلاد باتجاه الفوضى "الخلّاقة"، لا سيّما في ظل فراغ حكومي قد يطول أمده ويدمّر ما تبقّى من أنقاض للاقتصاد اللبناني". هذا السيناريو، للأسف، قد تردّد صداه في الآونة الأخيرة في أروقة بعض الباحثين الدوليّين تحت مسمّى "صوملة" لبنان، أي تحويل لبنان إلى صومال ثان، يضيف قانصو، "إلا أن تفادي هكذا سيناريو ممكن جدا وهو يتطلب منا أقصى درجات الوعي والحكمة مع الحاجة إلى تقديم كلّ التنازلات الملحّة وتخفيض منسوب التباينات وتعزيز القواسم المشتركة في ما بيننا، وذلك في ظل حرص المجتمع الدولي على دعم الاستقرار الأمني والاجتماعي في لبنان وعلى تفادي الفوضى على الساحة المحلي".
يعاني الاقتصاد اللبناني ليس فقط من انكماش اقتصادي وتراجع الاستثمارات وتوقف المشاريع، بل أيضا من أزمة ثقة حادة أدت الى توقف تدفق رؤوس الاموال وشح بالسيولة وتعدد اسعار الدولار بالسوق المحلية والى تراجع الودائع وتراجع محفظة التسليفات المصرفية للقطاع الخاص. لذا نحن في حاجة اليوم وفق الخبير المالي والمصرفي نسيب غبريل الى "اجراءات ايجابية تبعث بمؤشرات الى المواطنين والى القطاع الخاص والاغتراب والمجتمع الدولي أن ثمة جدية بالتعاطي مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية والمالية والنقدية". 
في كانون الثاني 2020 كان توقعات الانكماش الاقتصادي ما بين 8 و10%، ومع جائحة كورونا والاقفال الذي رافقها ارتفعت التوقعات الى 14%، ومن ثم في آخر تموز ارتفعت الى 18% ولكن من بعد الانفجار رست التوقعات على 24%. وبغض النظر عن الاجراءات الايجابية التي يمكن ان تتخذ، فإن هذا الرقم لن يتغير كثيرا حتى آخر السنة، ولكن الاجراءات الايجابية للبدء بمشوار اعادة الثقة هي عبر تشكيل حكومة من اختصاصيين قادرة على اتخاذ قراراتها باستقلالية على ان تكون أولوياتها معالجة الاوضاع الاقتصادية والمالية وبدء المحادثات مع صندوق النقد للوصول الى اتفاق تمويلي واصلاحي شامل، وفق غبريل الذي يشدد على اهمية اقرار قانون "الكابيتال كونترول" وتعديل موازنة الـ 2020 لتتضمن خطة تصحيح مالي على المدى المتوسط ووضع تصور أو الية لتوحيد اسعار الصرف. توازيا، يجب العمل على تعديل بعض بنود الحكومة المستقيلة خصوصا حيال تحميل القطاع المصرفي كلفة الازمة المالية، والأخذ في الاعتبار الخطة التي قدمتها جمعية المصارف وكذلك النتائج التي توصلت اليها اللجنة المنبثقة عن لجنة المال والموازنة في موضوع الخسائر والكلفة للذهاب بأرقام موحدة الى صندوق النقد. والاهم وفق غبريل ان "تكون أولوية المباحثات مع الصندوق مصلحة الاقتصاد اللبناني، وليس ما يتوقعه الصندوق حيال تخفيض نسبة الدين للناتج المحلي الى 100%. ويؤكد غبريل أن "أهمية الوصول الى اتفاق مع الصندوق لا يعني فقط ضخ سيولة وانما ايضا يعني المصداقية والانضباط بالالتزام بتطبيق البرنامج الاصلاحي. فالمجتمع الدولي كان واضحا بأن لا مساعدات من دون تطبيق الاتفاق مع الصندوق". وبرأي غبريل أنه "اذا اتخذت الحكومة اجراءات تبعث بإشارات ايجابية سيساعد القطاع المصرفي على رفع رساميله بنسبة 20%، وتكوين 3% من الودائع بالعملات الاجنبية لدى المصارف المراسلة بحساب خاص". 
ويختم غبريل أن "كل تأخير بتشكيل الحكومة سيعزز القناعة لدى اللبنانيين بأن الطبقة السياسية في واد والمواطنون في واد آخر، وان هذه الطبقة غير مكترثة لمعالجة الاوضاع المعيشية للمواطن، عدا عن ذلك فإن التأخير بالتأليف سينعكس حتما على المباحثات مع الصندوق وتطبيق الاصلاحات بما يعني ضرب الثقة المحلية والخارجية، والاوضاع ستنحو الى مزيد من التدهور". 

[email protected]