الأربعاء - 12 أيار 2021
بيروت 24 °

إعلان

‏Finikia للحرفيات باقٍ... "الاستسلام يقتلنا مرتين" (فيديو)

المصدر: النهار
فرح نصور
"Finikia" للحرفيات
"Finikia" للحرفيات
A+ A-
 
المشاريع الصغيرة كالكبيرة، تكبّدت خسائر جمة جراء انفجار مرفأ بيروت. إلى جانب الخسائر المادية، هناك أيضاً خسائر معنوية وتعب وأحلام ضاعت مع الدمار الذي حلّ على أرزاق الناس. حلمٌ عمره 18 عاماً خسرته ميراي، صاحبة متجر حرفيات في منطقة الجميزة المنكوبة. متجرٌ أسمته "فينيقيا"، وأصبح اسماً على مسمّى بعد الانفجار. إذ بعد أن دُمِّر بشكلٍ كبير، ها هو يسلك طريقه إلى الحياة مجدداً، بإصرار وعزيمة مالكته ميراي.
 
"متجري كان وسيعود متجر حرفيات"، عبارة إصرارٍ بدأت فيها ميراي، صاحبة محل للحرفيات التراثية في منطقة الجميزة. أسّست محلها "فينيقيا" منذ 18 عام، وقد أسمته بهذا الاسم لتعرّف عن الحضارة الفينيقية إثر عودتها من كندا بعد أن تهجّرت إلى هناك جراء الحرب الأهلية، ورغبت حينها بالعودة إلى جذورها الفينيقية.
هذا المكان حيث كانت تعرض فيه المصممة الحرفية أعمالها المشغولة يدوياً من وحي التراث اللبناني، خسر جراء انفجار المرفأ حوالي 60% من هذه التصاميم وتكبّد اضراراً جسيمة، إذ "لم يبقَ شيئاً من البضاعة، كل ما في داخل المحل أصبح فتافيت وتفجّر"، وتُقّدَّر خسارته بحوالي 20 ألف دولار.
 
 
كانت ميراي قد أغلقت محلّها قبل شهرٍ من الانفجار بعد حركة التظاهرات في بيروت والتي نتج عنها، وفق قولها، التسلل والسرقة. وكان قلبها قد أنذرها أنّ شيئاً غير سليم سيحصل، خاصة في ظل كورونا وارتفاع الدولار، إذ لم تعد تدري كيف عليها أن تسعّر بضاعتها. وكانت قد نوت الإغلاق لحوالي شهرين أو ثلاث لمعرفة إلاما ستؤول إليه الأمور. 
 
 
لكن لدى رؤيتها للدمار الذي حلّ بمتجرها، قررت أن تعاود فتحه فوراً، أي يوم الانفجار المشؤوم. اغرورقت عينا ميراي بالدموع، وبكت عندما تذكّرت أن ما رأته من دمار في محلّها "ليس فقط تعب وجنى عمري إنّما أيضاً حلم عمري ". تشكر ربّها أنّها بصحة جيدة، فعبّرت عن الخراب الذي رأته بأنّه "شيء لا يمكن تصديقه ولا زلت لا أستطيع الخروج من هذه الصدمة". وقع دمار كبير في بيتها وبيوت أولادها الثلاث، وبدأوا بتصليح المنازل أولا. وكان يوم لقائنا مع ميراي، هو يومها الثاني الذي فتحت فيه ورشة إعادة تصليح المحل. 
 
 
فعلاً قررت ميراي أن تفتح المحل من اليوم الأول، لكنّها لم تكن تملك المال اللازم للتصليح، فـ "المصاريف وضعت يدها على أموالنا "، ونفقات التصليح تُطلَب جميعها بالدولار، وتشتكي بالقول: "ليس هناك قرف ويأس وإحباط أكثر من ذلك، لكنّني أعاود القول لا، فنحن هاجرنا للعيش في الخارج، لكنّني لا أريد أن أهاجر مرة أخرى أريد البقاء هنا". زارتها جمعية من الجمعيات التي قصدت المنطقة للمساعدة، وصلّحت لها واجهة المحل، لكنّ أحداً من الجمعيات الكثيرة الأخرى التي جاءت ووعدتها بالمساعدة، لم تفِ بوعدها. عليها أن تصلّح محلّها وتبدأ من جديد بمبلغ حوالي 30 إلى 40 ألف دولار. ولولا مساعدة أولادها المتواجدين في الولايات المتحدة، وإرسالهم لها fresh money، لم تكن لتتمكّن من دفع ثمن تصليح المحل.
 
وأطلقت صرخة ألم، فهي لمَ ترَ أحداّ من المسؤولين زارهم للاطمئنان عليهم. الفساد مستشري في هذا البلد ويدخل في الجذور، فهي منذ سنتين تفتح محلها لستة أشهر في السنة بسبب وضع البلد الصعب. وكلّ ثلاثة أو أربعة أشهر، يغلقون شارع الجميزة لأعمال الأشغال العامة، ولا أحد يراقب هذه الأعمال. وتستشهد بالمثل القائل "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق" لتقول أنّ "الدولة تذبحنا بفسادها". وما يقهر فعلاً برأيها، هو أنّ مسؤولو الخارج جاؤوا ليتفقّدوا حالهم بعد هذه الكارثة، وتسأل "نحن مَن زارنا؟". زارهم الشباب طلاب الجامعات الذين نظفوا الشوارع، ولم تزورهم لا البلدية ولا نواب المنطقة ولا الوزراء، ولم يسأل أحداً منهم عن حالهم، "نحن ننقم على جميع المسؤولين لأنّهم غير مسؤولين".  
 
 
 
هي سعيدة بمعاودة فتح المحل لكنّها خائفة، ولا تدري كيف لها أن تكون سعيدة وهي ستدفع نفقات التصليح ولا تدري إذا كانت ستستردّها. لكنّها تعاود التفكير أنّها يجب أن تكمل عملها لتصرّف ما تبقى من بضاعة، "بعد بضعة سنين سيصبح عمري 70 عاماً، إلى متى عليّ أن أعمل وأعاود البدأ من الصفر". 
ستعاود فتح "فينيقيا" بالـ 40 % المتبقية من البضاعة، كما تقول أغنية فيروز "منكمّل باللي بقيوا ". وبقي حوالي 40 % من البضاعة سليمة. وقد حاولت ميراي أن تلملمها من تحت الحطام واحتفظت فيها لديها، وهناك قطعاً كانت قد خزّنتها ولم تكن معروضة، خرجت بسلام من المحل.
 
هي الآن على سكة إعادة التصليح، وقد تنتهي الورشة بعد حوالي شهر. لكنّها لن تنتج قطعاً حرفية جديدة، فعدا عن أنّها مكلفة جداً على سعر الدولار، ما هو أهمّ من ذلك أنّها تفتح محلّها للمجهول، "أفتح فقط لكيلا أراوح مكاني، ولا أريد أن أستسلم، فالحياة ستستمر". لن تأتي ببضاعة جديدة، فمع الأسعار المرتفعة لن يشتري أحدٌ منها، فالمشكلة في بلدنا أنّنا لا ننتج شيئاً، ونشتري كل موادنا الأولية من الخارج. 
وتتعامل ميراي مع المتحف الوطني، وتزوّده بحرفياتها، إلّا أنّها بعد الانفجار، لم تعاود الاتصال بهم لاستكمال العمل، فحالها كحال كل شيء في هذا البلد، كل شيء متوقّف. 
رسالتها من معاودة فتح محلّها، أن "دورة الحياة يجب أن تستمر، ولا يجب أن نيأس رغم كل السواد الذي يحيط بنا، وأنا أرى دائماً الضوء في النهاية، ولا شيء يدوم على حاله، ولا يمكن أن نستسلم، فبذلك نقتل أنفسنا مرتين".
 
 
 
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم