الأربعاء - 25 تشرين الثاني 2020
بيروت 21 °

إعلان

الانتخابات الأميركية في ميزان العرب: هل يقلب ترامب الطاولة من جديد؟

المصدر: "النهار العربي"
خالد باطرفي
المنافسة بين ترامب وبايدن (أ ف ب).
المنافسة بين ترامب وبايدن (أ ف ب).
A+ A-
تشير معظم استطلاعات الرأي الأميركية للمراكز المتخصصة مثل غالوب و سي ان ان و"إيبسوس"، ومؤسسة "يو غوف" وجامعة "كوينبياك"، وحتى فوكس نيوز المحافظة، الى تقدم المرشح الديموقراطي جو بايدن على الرئيس الأميركي ترامب. ويرافق ذلك هجوم إعلامي غير مسبوق في تاريخ أميركا على سيد البيت الأبيض وهجوم مضاد منه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة "تويتر" التي بلغ عدد متابعيه فيها حتى اليوم 87 مليوناً بما يتجاوز عدد مشاهدي وقراء أي وسيلة إعلامية. 

وعن هذا الحدث- القضية، كتب الكاتب والمحلل السياسي الدكتور خالد باطرفي في "النهار العربي" المقال الآتي: "خلف هذا التعاطي الإعلامي الشرس مع ترامب والتراجعات الكبيرة لأهم إنجازاته الاقتصادية نتيجة لتداعيات جائحة "كوفيد 19"، والتظاهرات ضد العنصرية وقسوة الشرطة مع السود، إضافة الى ما يُتّهم به من التّساهل في تطبيق الاحترازات الطبية لمواجهة الوباء وعدم إغلاق المدن والأعمال لحماية المواطنين، كل هذا أعطى إيحاءً بأن الرئيس الذي وقع أخيراً ضحية استهانته بالفيروس وتسبب في إصابة من حوله، فقد أهم أوراقه الانتخابية وتراجعت بذلك حظوظه في الفوز بالرئاسة للمرة الثانية. 

قد يكون في ذلك كثير من الصحة، ولكن التركيبة السكانية لمن يحق لهم التصويت أعقد من هذا التبسيط المخل. فأميركا موطن المهاجرين سبق اليها المستعمر الأوروبي، فحكم الإنكليز والفرنسيون والإسبان على حساب سكان البلد الأصليين. وجاؤوا بالمهاجرين البيض والعبيد السود ليعمروا الأرض ويستزرعوها، فتشكلت طبقة إقطاعية من النبلاء والأثرياء ثارت على الدول المستعمرة ووحّدت خمسين ولاية مستقلة تحت راية واحدة ورئاسة واحدة، يحميها جيش واحد ويمثلها نواب وشيوخ من كل ولاية، ومحاكم وحكومة فيدرالية واحدة، وتضمن تطبيق دستورها محكمة دستورية عليا. 

في بداية الأمر، لم يكن لغير الرجل الأبيض مقعد على طاولة السلطات الثلاث، ولم يكن لغير الإقطاعيين والنبلاء البيض صوت في الانتخابات. وتدريجياً، سمح لكل رجل أبيض بالتصويت، وفي أوائل القرن العشرين سمح للمرأة، وفي أواخره سمح للسود. ومنذ ثورة الحقوق المدنية في الستينات وما أفرزته من قوانين تمنحهم المساواة في الحقوق والواجبات، حقّق أبناء الجاليات الأفريقية والآسيوية واللاتينية إنجازات كبيرة في مواقع السلطة والثروة. فمن خلال الحزب الديموقراطي والانخراط في الانتخابات على مستوى المدن والولايات والكونغرس، تمكّنوا من الوصول الى مواقع مهمة وزارية وقضائية وتشريعية على طاولة صناعة القرار، بلغت سنام مجدها بفوز باراك أوباما، أول رئيس أسود في تاريخ أميركا، بمنصب الرئاسة، عام 2008. 

خلّفت هذه التحوّلات الكبرى مرارة عند الرجل الأبيض، الذي بات يشعر بأنه يفقد تدريجياً صولجان الحكم في بلد يعتبرها بلده، لأناس يعتبرهم مهاجرين. فإضافة الى كل ما سبق، زادت نسبة الملوّنين زيادة كبيرة في التركيبة السكانية، حتى أصبحوا أغلبية في مدن بعض الولايات الجنوبية المجاورة للمكسيك. وبقي باب الهجرة مفتوحاً لهم، بما في ذلك الهجرة غير الشرعية، وكذا باب التجنيس لهم ولأبنائهم، مع زيادة نسبة الجريمة وغلبة لغاتهم على الإنكليزية في كثير من المناطق. 

هذا الخوف من القادم والمجهول، دفع الى تشكيل جماعات عنصرية ترفع شعار تفوّق العنصر الأبيض ومقاومة "الدخلاء" واستعادة السلطة وطرد "الغرباء". واستغلت سماح الدستور الأميركي بحمل السلاح للدفاع عن النفس لتشكيل ميليشيات مدربة ومسلحة حتى بالقنابل والمدافع والصواريخ. ووجدت هذه الجماعات الدعم من أثرياء البيض واليمين الديني المتطرف الذين يشاركونهم المخاوف والمواقف نفسها. 

واستطاع ترامب بذكاء رجل الأعمال، قناص الفرص، أن يستغل غياب ممثلين لهذا التيار القوي، نتيجة لحرص الساسة على كسب الجميع باتخاذ مواقف وسطية لا حدّية، فوضع نفسه صوتاً صارخاً واضحاً صريحاً للجماعات العنصرية ورجل الشارع الأبيض. كما أضاف لهؤلاء البنوك والشركات والمؤسستين العسكرية والأمنية والجماعات الدينية المحافظة والمتطرفة. وبقدر ما أكسبه ذلك عداوة الليبراليين واليساريين المسيطرين على الإعلام والجامعات ومراكز البحوث وهوليوود، فقد ضمن به الولاء الأعمى لأتباعه. 

ولذلك كله لا أعتقد أن المناظرات غيّرت من مواقف المناصرين لهذا المعسكر أو ذاك شيئاً. فالذين صوّتوا لترامب سيصوّتون له مرة أخرى بغضّ النظر عن أي تصريحات أو أخطاء يرتكبها، لأنه بالنسبة لهم المخلص الأوحد. والذين صوّتوا ضده من الجاليات واليسار سيصوّتون لخصمه، أياً كان هذا الخصم، ومهما كانت أخطاؤه أو عيوبه، لأنه بالنسبة لهم يبقى أفضل الخيارين، والطريق الوحيد للتخلص من ترامب. 

فجو بايدن، خليفة رمزهم المقدس باراك أوباما، سيواصل مسيرة التجديد لثقافة المجتمع الأميركي، كخليط عرقي وديني وثقافي، وتغيير صورة بلادهم في الخارج، كرمز للتسامح والعولمة والتعاون الدولي، وسيعمل على الحفاظ على البيئة، وسيعيد للسلطة الرابعة (الصحافة) هيبتها التي مرّغ بها ترامب التراب.

ويبقى السؤال: من سيفوز إذاً؟ وجوابي على ذلك هو: الفئة التي لم تقرر بعد، وهي تقدر بعشرة من المئة من الناخبين. فهي التي كانت الصّوت المرجّح في كل انتخابات رئاسية ولا تزال. وهي كتلة غير منظمة، غير مؤدلجة، مشكلة من أفراد مستقلين يحددون قراراتهم في آخر لحظة، بناءً على قراءة موضوعية لبرامج المرشحين ومدى تلبيتها لاحتياجاتهم وموافقتها لقيمهم وتحقيقها لمصالح بلادهم. هذه الكتلة هي التي منحت الرئاسة لترامب وهي التي ستجددها له أو تنقلب عليه. وبتقديري، أنه، برغم عيوبه الشخصية، حقّق لها إنجازات اقتصادية كبيرة، فخفض البطالة، ورفع قيمة الدولار، وأنهى اعتمادية بلاده على الطاقة المستوردة، وواجه خصومها بقوة، ورفع شعار أميركا أولاً وطبّقه، ونفّذ وعوده الانتخابية السابقة كلها، من مواجهة الهجرة، والانسحاب من الاتفاقيات الدولية غير المجدية، واستحلاب الخصوم والحلفاء، وإعادة الاستثمارات الى أميركا وحتى بناء الجدار مع المكسيك. ولذلك، فإني أتوقع أن يقلب ترامب الطاولة ويحقّق الفوز من جديد، كما فعل مع هيلاري كلينتون في الانتخابات الماضية. 

غني عن الذكر أن إعادة انتخاب ترامب يمثل خسارة فادحة لإيران وتركيا وأتباعهما في المنطقة العربية، وضربة قاضية لآمالهما في إدارة ديموقراطية أكثر تفهماً وتعاوناً وتآمراً على العرب. فكثير من القرارات المرة التي على طهران وأنقره تجرّعها كانت مؤجلة بانتظار المخلّص الديموقراطي، خليفة سياسات باراك أوباما وهيلاري كلينتون، وهكذا سنرى عودة لإيران الى الاتفاق النووي بشروط جديدة تشمل تصحيح سياساتها ومشاريعها المزعزعه للسلام، وعودة تركيا الى مهادنة الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية".

@kbatarfi
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم